العودة   نور في نور > نورهم يسعى بين ايديهم > دنيا ودنيا ودين > الشريعة
الشريعة الشريعة قولي

إضافة رد
قديم 08-07-2009, 09:05 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

المنتدى : الشريعة
افتراضي خطب الجمعة

هذه هي مجموعة من الخطب لبعض الأئمة والدعاة من الحرم النبوي
فهذه الخطبة الأولى للشيخ علي الحذيفي وهي بعنوان (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
الخطبة الأولى
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بسنته .
أما بعد .. فاتقوا الله حق تقواه وسارعوا إلى مغفرته ورضاه : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) النساء 1 ، (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) آل عمران 02 .
أيها الناس .. إن نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدودًا فلا تعتدوها ، وحرم أشياءً فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياءٍ رحمةً لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها " .. من حديث أبي ثعلبة الخشني ، قال النووي - رحمه الله - : حديثٌ حسن رواه الدار قطني وغيره .
وإن مما فرض الله على عباده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما في ذلك من المصالح العامة والخاصة الدينية والدنيوية ، ولما في ذلك من دفع الشرور والمفاسد ودفع العقوبات والنوازل التي تنزل بسبب الذنوب .. قال الله - تعالى - نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةوَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران 104 ، وقال تعالى : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ .. ) آل عمران 110 ، وقال - تبارك وتعالى - في وصف المؤمنين : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) التوبة 71 ..
وأثنى الله - تعالى - على من كان عاملاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهل الكتاب ممن سبقونا ممن تمسكوا بشريعتهم التي لم تغير ولم تبدل .. فقال – تعالى - : (لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) آل عمران 113 – 114.
والمعروف معناه : كل ما أمر به الإسلام وجوباً أو استحباباً ، ولا يأمر القرآن أو السنة إلا بما فيه الخير المحقق في الدارين ، ولا يأمر الله إلا بما جعله سبباً لدخول جنات النعيم وسبباً لخيري الدنيا والآخرة .. والمنكر معناه : كل ما نهى عنه الإسلام تحريماً أو كراهة ، ولا ينهى الإسلام إلا عن كل شرٍّ محققٍ في الدنيا والآخرة ، ولا ينهى إلا عما يكون من أسباب دخول النار ومن أسباب فساد الدنيا ..عن حذيفة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " والذي نفسي بيده لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابًا من عنده ثم تدعونه فلا يستجيب لكم " رواه الترمذي .. وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه .. وذلك أضعف الإيمان " رواه مسلم .. وروي أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة فيقول له : إليك عني فإني لن أظلمك في عرض ولا مال فيقول :كنت تراني على منكر ولا تنهاني ، وقال بعض أهل العلم : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركن من أركان الإسلام ، ولابد لمن أمر بالمعروف أن يتحقق أنه معروف أمر به الشرع ، وأن يتحقق أن المنكر الذي نهى عنه نهى عنه الشرع ؛ ليكون متبعاً للدليل على بصيرة ، ويجب أن يكون الآمر أو الناهي ذا حكمة بطبعه أو بالتعلم ، وأن يفقه ما يأمر به أو ينهى عنه ؛ لينزل الأدلة على مدلولاتها ويسترشد بقول الله وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في جميع الأمور وتقلب أحوالها .. قال الله - تبارك وتعالى- : (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) النحل 125 .
والتغيير باليد هو للسلطان أو نائبه ، والإنكار باللسان بالحكمة والترغيب لكل من يعلم حكم الله في المنكر ، والإنكار بالقلب لكل أحد ، وكلٌّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقترنان معاً ..لا ينفك بعضهما عن بعض ، فمن أحب المعروف ولم ينكر المنكر فقد فرط في واجب وارتكب محرماً وقصر تقصيراً يؤاخذ به ، ومن أمر بمعروف ولم ينه عن منكر فقد ترك واجباً ، ومن نهى عن منكر ولم يحبَّ المعروف فقد خالف هدي محمد -صلى الله عليه وسلم - فلا بد من الحب في الله والبغض في الله ، وذلك أوثق عرى الإيمان .
والحب في الله هو حب ما يحبه الله - تبارك وتعالى - والبغض في الله هو بغض ما يبغضه الله - عز وجل – فلابد من الأمر بالمعروف ومحبته والنهي عن المنكر وبغضه ، وقد قال بعض السلف : (من أمر بمعروفٍ ونهى عن منكرٍ فليعرض نفسه على قول الله - تعالى - : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) البقرة 44 ، وقوله - تعالى - عن شعيب - عليه السلام - : (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) هود 88 ، وقوله - تعالى - : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) الصف 2 – 3 .
والصبر واجبٌ على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لأنه سيتعرض للأذى بسبب أهواء الناس كما هي سنة الله - تبارك وتعالى - بذلك ، قال الله - تعالى - عن العبد الصالح لقمان .. ذكر الله وصيته فقال عنه : (يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) لقمان 17 -18.
وثواب الله - تبارك وتعالى - للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر عاجلٌ في الدنيا ومؤجلٌ في الآخرة .. وفي الآخرة أعظم ؛ ففي الدنيا يصلح الله للعبد أحواله كلها .. قال - تبارك وتعالى - : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) الأحزاب 70 – 71.
وفتنة الرجل في أهله وفي ولده تكفرها الصلاة والصيام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وينجي الله - تعالى - الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من العقوبات على الذنوب مع ما له من الثواب العظيم .. قال الله - تعالى - : (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ .. ) هود 116 ، وقال - تبارك وتعالى - : (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) الأعراف 165 ..
ووعد الله من أمر بخيرٍ وحذر من شر وعده الله جنات النعيم والنجاة من العذاب الأليم فقال - تبارك وتعالى - : (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) التوبة 112 ..
والبشرى هي بكل خير في الدنيا والآخرة ، ومن هذه البشارة قوله - تعالى - : (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الحديد 12.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم .. أقول قولي هذا وأستغفر الله - العظيم الجليل - لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ؛ إنه هو الغفور الرحيم .



الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ولي المؤمنين ، أحمد ربي وأشكره وأتوب إليه وأستغفره ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له يحب المتقين ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله بعثه الله بالهدى واليقين لينذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد .. فاتقوا الله حق التقوى ، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى .
عباد الله .. أعظم نعمة على العبد أن يمن عليه بقلب سليم .. يعرف المعروف ويحبه ويأمر به ويحب أهله ويعرف المنكر ويبغضه ولا يقع معهم في محرم.
معشر المسلمين .. لقد تفشى الجهل بقلة المعرفة بالأعمال الصالحات والجهل بالمنكرات ، وأعظم ما ينفع به المسلم أخاه المسلم أن يدله على هدى أو يحذره من ردى ومحرم ، والمؤمنون ناصحون بررة يحبون الخير لإخوانهم المسلمين كما في الحديث : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " رواه البخاري ومسلم من حديث أنس - رضي الله عنه - ..
وعن جرير - رضي الله عنه - قال : " بايعت الرسول - صلى الله عليه وسلم - على النصح لكل مسلم " .. والمنافق غاشٌّ منَّاعٌ للخير .. قال الله - تعالى - : (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) التوبة 67 .
فتحابوا بينكم - معشر المسلمين - بروح الله - تعالى - وتآخوا بإخوة الإسلام ، وتناصحوا بالرفق والمودة والاحتساب .. علِّموا الجاهل أمور دينه .. علموه التوحيد وأنواع الشرك بالله - تعالى - وأحكام الصلاة ومسائل أركان الإسلام ، عن علي - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النعم " .. ذكروا الغافل عن الله - تعالى - ليعمل للآخرة ولا يغتر بالدنيا ، خوِّفوا المتمرد على الله الجريء على المعاصي بأن بطش الله شديد ، رغِّبوا الكسول عن الخيرات بالجد والاجتهاد في الطاعات ، أيقِظوا الهمم الضعيفة بالقرآن والسنة ليزداد الإيمان في القلوب .
أيها الناس .. اذكروا نعم الله عليكم الظاهرة والباطنة التي أسبغها عليكم ، قال الله - تبارك وتعالى - : (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) النحل 18 ، وقال - تبارك وتعالى - : (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) لقمان 20.
اذكروا نعمة الله عليكم بظهور شعائر الدين التي ارتضاها الله - عز وجل - واذكروا ما منّ الله به عليكم من الأمن والإيمان والاستقرار ؛ فاشكروا الله على نعمه .. داوموا على طاعة الله ومروا بالمعروف وانهوا عن المنكر لتستديموا ما أنعم الله به - تبارك وتعالى - عليكم .. لا تجعلوا لله عليكم سلطانًا بارتكاب الذنوب وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ فإن الله - تبارك وتعالى - يحب من عباده الاستقامة ويحب من عباده الشكر على طاعته .. قال - تبارك وتعالى - : (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم 7 .
عباد الله ..(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) الأحزاب - 56 ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : " من صلى علي صلاةً واحدةً صلى الله عليه بها عشرا" ؛ فصلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين ..
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد ، اللهم وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد ، وسلم تسليماً كثيرا .
اللهم وارض عن الصحابة أجمعين وعن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين ، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، اللهم وارض عنا بمنك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين يا غفور يا رب العالمين .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين . اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الكفر والكافرين ، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين . اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين ، اللهم اقمع البدع يا رب العالمين ، اللهم اقمع البدع إنك على شيء قدير ، اللهم أذل البدع كلها إنك على كل شيء قدير .. أنت القوي المتين الحق المبين يا رب العالمين ، اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل .. اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا .. أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ، اللهم وأعذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، اللهم أعذنا من شر كل ذي شرٍّ يا رب العالمين .
اللهم ألِّفْ بين قلوب المسلمين وأصلح ذات بينهم وأهدهم سبل السلام ، وأخرجهم من الظلمات إلى النور ، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين .. اللهم أبطل مكر أعداء الإسلام يا رب العالمين ، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا .
اللهم أغثنا يا أرحم الراحمين ، اللهم إنا نتوجه إليك وأنت الإله الحق المبين رب العالمين الرحمن الرحيم ، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أغثنا يا أرحم الراحمين .
اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين ، اللهم نوِّر عليهم قبورهم وضاعِفْ حسناتِهم وتجاوزْ عن سيئاتهم يا أرحم الراحمين .
اللهم واشف مرضانا ومرضى المسلمين . اللهم واشف مرضانا ومرضى المسلمين ، اللهم واقض الدين عن المدينين يا رب العالمين ، اللهم فك أسرى المسلمين إنك على كل شيء قدير .
اللهم وفق ولي أمرنا إمامنا لما تحب وترضى ، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك ، وأعنه على أمور الدنيا والدين يارب العالمين ، اللهم هيئ له البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه ، اللهم اجمع به كلمة المسلمين ، اللهم انصر به دينك وأعلِ به كلمتك إنك على كل شيء قدير .. اللهم وفق نائبه لما تحب وترضى ، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك ، ووفقه لما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين .. اللهم وفق نائبه الثاني لما تحب وترضى ولما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين يا رب العالمين .
اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح اللهم ولاة أمورنا ، اللهم اجعل ولاة أمور المسلمين عملهم خيرًا لشعوبهم وأوطانهم إنك على كل شيء قدير ، اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجلة .. ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجلة يا رب العالمين .
عباد الله ..(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل - 90 (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)النحل – 91 ، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-07-2009, 09:15 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

الخطبة الأولى :


الحمد لله البر الرحيم الحليم العليم العزيز الحكيم.. أحمد ربي وأشكره وأتوب إليه وأستغفره ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي العظيم ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله.. اصطفاه ربه ورفع درجاته وأثنى عليه بقولٍ كريم : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4 سورة القلم).. اللهم صلِّ وسلمْ وباركْ على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه الهداة إلى صراط مستقيم.
أما بعد ، فاتقوا الله حق التقوى وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى ؛ فقد سعد وأفلح من زكى نفسه واتقاه وخاب من دنس نفسه بالمعاصي وحارب مولاه.
أيها المسلمون : اشكروا الله كثيرًا على ما تفضل به عليكم ربكم - عز وجل - من بيان الحقوق التي أوجبها عليكم لنفسه ولخلقه ووعدكم على القيام بها أعظم الثواب ، ووقاكم بالشكر أعظم العقاب.. والشكر الذي يحبه الله ويرضاه وينفع صاحبه هو الثناء على الله بصفاته والاستقامة على طاعته ومجانبة معصيته ، والتحدث بنعم الله مع محبة المنعم - جل وعلا - واستعمال النعم فيما أرشد إليه الشرع.. قال الله - تعالى - : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7 سورة إبراهيم).
وإن مما يشكر الله ويحمد عليه ما فصل الله من حقوق ذوي القربى ومن الواجبات والمستحبات لذوي الأرحام.. قال الله – تعالى - : وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26 سورة الإسراء) وقال تعالى : فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38 سورة الروم).
الله أكبر.. ما أعظم ثواب من أدى حقوق ذوي القربى !
أيها الناس.. أتدرون من نال الفلاح فوصفوا بأنهم مفلحون.. إن من فاز بالفلاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون معه.. قال الله - تعالى - : لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88 سورة التوبة).
إن من قام بحقوق ذوي القربى قد أدخله الله في زمرة المفلحين الذين هم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه المجاهدون معه : وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69 سورة النساء).. ومعنى الفلاح : الظفر بكل خيرٍ مرغوبٍ والنجاة من كل شرٍّ ومكروهٍ مبغوض.
وقد وصف الله بالفلاح أكمل الناس إيمانا وأحسنهم أخلاقا فقال - تعالى - : أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5 سورة البقرة) وقال تعالى ... وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9 سورة الحشر).
كما حكم على أخبث الناس أعمالًا وسريرةً بعدم الفلاح : ...ِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117 سورة المؤمنون) ، وقال – تعالى - :... إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21 سورة الأنعام) ، وقال - عز وجل - : ... إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17 سورة يونس) ، وقال - تعالى - عن السحرة لعنة الله عليهم والناس والملائكة أجمعين - : ... وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69 سورة طـه) ، وقال عن الزناة فيما ذكر الله عن يوسف - عليه الصلاة والسلام - : ... إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23 سورة يوسف) ؛ أي الزناة.
أيها المسلم : ألا تحب أن تكون من المفلحين الذين قاموا بحقوق ذوي القربى.
أيها الناس.. إن الله - تعالى - قد بشر الثواب العظيم والجزاء الكريم في الدنيا والآخرة على أداء حقوق ذوي الأرحام فقال - تعالى - : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1 سورة النساء) ؛ أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها.. ووعد المتقين بمثل قوله - تعالى - : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54 سورة القمر) ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من سره أن يبسط الله في رزقه وأن ينسأ في أثره فليصل رحمه ".. رواه البخاري ، ومعنى يُنسَأ له في أثره : أي يطيل عمره.. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه – أيضا : " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ؛ فإن صلة الرحم محبةٌ في الأهل مثراةٌ في المال منسأةٌ في الأثر ".. رواه أحمد والترمذي والحكام وقال صحيح وأقره الذهبي.. وعن ثوبان - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال : " من سره النسأ في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه " رواه أحمد.. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضًا لهم ، قال : وكيف ذاك يا رسول الله ؟ قال : بصلتهم أرحامهم " رواه الحاكم والطبراني ، قال المنذري بإسناد حسن.
وصلة الأرحام : القيام بحقوقهم بإعانة فقيرهم ، وزيارة مريضهم ، ورعاية صغارهم ، ودوام زيارتهم ، وحفظهم في أهلهم وأموالهم في غيبتهم ومواساتهم في مصائبهم وتهنئتهم في النعم التي منّ الله بها عليهم ، وتعليم جاهلهم ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالحكمة والطرق النافعة ومحبة الخير لهم وعدم حسدهم ، والهدية لأغنيائهم ، وبذل الإحسان لهم ، وكف الأذى عنهم من نفسه وأولاده وأهله ، والسعي في حاجاتهم ، والشفاعة لهم ، وتحمل الأذى منهم والصبر والحلم على ما يكره منهم..
وصلة الأرحام خيرٌ وبركةٌ وفضلٌ ونماءٌ وعواقب خير محمودة.. والأرحام هم القرابات بنَسبٍ ولو كان بعيدًا أو مصاهرةٍ أو رضاع.
وأما قطيعة الأرحام فهي شرٌّ للقاطع في الدنيا والآخرة وشؤمٌ عليه في حاله ومآله.. عن أبي بكرة - رضي الله عنه – قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من ذنبٍ أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم " رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حديثٌ حسنٌ صحيح.. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال : " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن ، فقال : مهٍ ؟ - أي ما شأنك ؟ - قالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة ، قال : نعم.. أما ترضين أن أصِلَ من وصلَكِ وأقطع من قطعكِ ؟ قال : فذلك لك " رواه البخاري ومسلم.. وعن جبير بن مطعم - رضي الله عنه – قال : " لا يدخل الجنة قاطع رحم " رواه البخاري ومسلم.
وقد فشت القطيعة في هذا الزمان - والعياذ بالله - وضيعت الحقوق إلا ممن حفظه الله - وقليل ما هم - وسبب التقاطع أمور الدنيا الزائلة الفانية.. وقد تتسع القطيعة فتعم الأولاد والأسرة وتتوارثها الأسر ، وكان من الواجب القضاء على أسباب القطيعة في وقتها وإحلال الإصلاح مكان فساد البين ، وورد : " إن من أشراط الساعة فساد الجوار وقطيعة الرحم ".. وقد كان السلف الصالح إذا أساء القريب أحسنوا وإذا قطع وصلوا وإذا جفا توددوا.. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - : "أن رجلا قال : يارسول الله.. إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لئن كنت كما تقول فكأنما تسفهم المل ، ولا يزال لك من الله عليهم ظهيرًا ما دمت على ذلك " رواه مسلم.. ومعنى الحديث داوم على بذل الخير لهم وإن أساؤوا ؛ فإنك بذلك كأنما تلقمهم الرماد الحار إذا قابلوا إحسانك بسوء.. قال الله - تعالى - : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (22-23 سورة محمد).
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، ونفعني بهدي سيد المرسلين وقوله القويم.. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.




الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي المتين ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمد عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين.. اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدك ورسولك محمدِ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد ، فاتقوا الله عباد الله.. اتقوا الله حق تقواه فإن تقوى الله - تبارك وتعالى - ذخرٌ لكم في الدنيا وفي الآخرة.. يقول الله - تبارك وتعالى - : وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56 سورة الأعراف).
ومن أعظم الإفساد في الأرض قطيعة الأرحام وتضييع حقوق المسلمين ؛ فإن الله - تبارك تعالى - قد فصل في كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - الحقوق لله - عز وجل - والحقوق لخلقه ؛ فمن وفّى بذلك فقد أدى الأمانة وكان بأفضل المنازل ، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - : أن الصراط جسرٌ يُضرَب على متن جنهم ، وتكون الأمانة والرحم في جانبي الصراط ؛ بمعنى أن الأمانة والرحم لا تترك من فرط فيها وضيعهما.. فإنها ترديه في النار.. رواه الإمام مسلم - رحمه الله تعالى -.
أيها الناس.. عن حذيفة بن أسيد أنه قال : " يخرج الدجال في بغضٍ من الناس وخفةٍ من الدين وسوء ذات بيْن ؛ فيرد كل منهل وتطوى له الأرض طي فروة الكبش ويغلب عليها.. إلا مكة والمدينة وبيت المقدس " رواه الحاكم.. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - : أن النبي -صلى الله عليه وسلم – قال : " والذي نفسي بيده لينزلن عيسى بن مريم حكمًا عدلًا ، ولتتركن القلص فلا يسعى عليها ، ولينزعن الله الحسد والبغضاء حتى لا يكون بين اثنين عداوة " رواه أحمد ومسلم.. وذلك لأن أكثر العداوات ولأن قطيعة الرحم سببها هو هذه الدنيا ، فإذا نزل عيسى - عليه السلام - انقطعت آمال الناس وعلموا أن الساعة قريب.. حتى إن السجدة الواحدة تكون عند المسلم خيرًا من الدنيا وما فيها.
عباد الله.. اتقوا ربكم وتقربوا إليه بأداء حقوقه وأداء حقوق العباد : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56 سورة الأحزاب).


اللهم صلّ وسلِّمْ على سيد الأولين والآخرين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، اللهم صلّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد.. اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد ، وسلم تسليمًا كثيرا.
اللهم وارض عن الصحابة أجمعين وعن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين وعن العشرة المبشرين بالجنة وسائر الصحب الكرام يارب العالمين.. اللهم وارض عنا بمنك وكرمك معهم يارب العالمين. اللهم وارض عنا معهم بمنك وكرمك ياأرحم الراحمين ، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك يارب العالمين. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك ، اللهم أظهر سنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - في العالمين.. اللهم اقمع البدع يارب العالمين ؛ إنك على كل شيء قدير.
اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا.. أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ، اللهم أعذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، اللهم أعذنا من شر كل ذي شر يارب العالمين ، اللهم أعذنا وذرياتنا من إبليس وذريته وشياطينه وأعوانه يارب العالمين، اللهم أعذنا وذرياتنا من إبليس وشياطينه وجنوده السحرة يارب العالمين إنك على كل شيء قدير..اللهم تولّ أمر كل مسلمٍ ومسلمة وتولّ أمر كل مؤمنٍ ومؤمنة يا رب العالمين.
اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح اللهم ولاة أمورنا.. اللهم وفق خادم الحرمين لما تحب وترضى ، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك ، وأعنه على ما فيه الصلاح والإصلاح للبلاد يارب العالمين وللمسلمين إنك على كل شيء قدير..اللهم هيئ له البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه وتذكره به ، اللهم وفق نائبه لما تحب وترضى ، اللهم وفق نائبه لما تحب وترضى ، اللهم وارزقه الصحة يارب العالمين.. اللهم وفق نائبه الثاني لما تحب وترضى ولما فيه الخير للمسلمين يارب العالمين.. اللهم اجعل ولاة أمور المسلمين عملهم خيرًا لشعوبهم وأوطانهم ، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.
اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.. اللهم ياحي ياقيوم برحمتك نستعين.. أصلح لنا شأننا كله لا إله إلا أنت.
اللهم أغثنا اللهم أغثنا. اللهم أغثنا يارب العالمين. اللهم أغثنا يا أرحم الراحمين.
عباد الله {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ *وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (90-91 سورة النحل).
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر ، والله يعلم ما تصنعون.












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-07-2009, 09:20 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(3)

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم صلِّ وسلّم وبارِكْ على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه إلى يوم يبعثون.
أما بعد.. فاتقوا الله بالتقرب إليه بفعل الخيرات وهجر المنكرات ؛ فإن الحياة الدنيا سريعة الزوال متقلبة الأحوال، ولم يخلق الله الخلق فيها ليكونوا مخلدين ولا ليكونوا فيها مهملين..لا يؤمرون بطاعة ولا ينهون عن معصية، بل خلقهم عبيداً مكلفين.. سعادتهم في طاعة ربهم أرحم الراحمين وشقاوتهم في معصية رب العالمين.. قال - تعالى - :وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيماً النساء 69 – 70، وقال الله - تعالى - :.. وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً الجن 23.
ألا وإن في يد الموت كأساً لأي أحد في هذه الدار سيذوق سكراته وقطع لذاته.. قال – تعالى - : كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ آل عمران 185، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أكثروا من ذكر هادم اللذات" - يعني الموت - رواه الترمذي وقال : حديث حسن.
فإن الموت ما ذكر في قليل إلا كثره وما ذكر في كثير إلا قلله، وكفى بالموت واعظاً، وبعد الموت أهوالٌ عظامٌ.. لا يدري المرء هل سيكون قبره روضةً من رياض الجنة أو حفرةً من حفر النار ؟ والحياة الآخرة إما نعيمٌ مقيمٌ أبدي، وإما عذابٌ أليمٌ سرمدي.
ألا وإن ما يسعد به الإنسان في هذه الدنيا حياة القلب ويقظته ومراقبة المرء لنفسه بمحاسبتها في كل صغيرة وكبيرة ؛ فمن حاسب نفسه قبل حسابه في الآخرة قلَّ حسابه في الدار الأخرى.. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : " حاسبوا أنفسكم فبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر قبل لقائه ".

وحياة القلب أعظم ما أنعم الله به على العبد، وبهذه الحياة تسره الحسنة وتسوؤه السيئة.. قال – تعالى- : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ الأنفال 24، وقال – تعالى- : .. وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ.. البقرة 235.
وحياة القلب هي توحيده لله - تعالى - ومحبته والتوكل عليه، والأنس بذكره والفرح بطاعته وكراهية معصيته، والإنابة إلى دار الخلود والحذر من دار الغرور، وتجنب المظالم والاستقامة على الهدى.

وإذا تمت حياة القلب عاش حياةً طيبةً في الدنيا وسبقت له من الله الحسنى في الأخرى.. قال الله - تعالى - : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا الأنعام 122.
والحياة التامة الأبدية لمن حييت قلوبهم بالإيمان وعملوا بالقرآن.. قال الله - تعالى - :وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ العنكبوت 64، وفي الحديث : " مثل الذي يذكر الله ومثل الذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت ".
وذكر الله أعم من ذكره باللسان ؛ فالطاعة ذكر لله - تعالى - وترك المعصية لله ذكر للرب - عز وجل -.
ألا وإن شقاوة القلب وإن هلاك العبد في الغفلة عن الله - تبارك وتعالى - والإعراض عن طرق الخيرات.
والغفلة نوعان : غفلة كفر ونفاق أكبر.
وهذه الغفلة صاحبها ميت القلب، شقي محروم من كل خير، لا يعمل بطاعة ولا يكف عن معصية، همه هم البهائم لا يعمل لجنةٍ ولا يخاف من نار، ولا ينزجر للوم لائمٍ ولا يُصغِي لناصحٍ ولا يعبأ بأي كلامٍ ناله بترك الفرائض وفعل المحرمات.. قال الله - تعالى - في غفلة الكفر والنفاق : مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَـئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ النحل 106 – 109، وقال - تعالى - وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ الأعراف 179، وقال - تعالى - :يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ الروم 7.
والنوع الثاني من الغفلة دون غفلة الكفر والنفاق الأكبر.
وهذه الغفلة درجات في إثمها ومضارها وآثارها على العبد وعلى المجتمع، وأفراد هذا النوع من الغفلة كثيرة لا تحصى إلا بمشقة: - فغفلة التقصير في حقوق الله وحقوق العباد : فلا يقوم المسلم بهذا الواجب أتم القيام فيفوته من الخير والثواب بقدر ما يفوته من العمل، ويكتسب من الذنوب والآثام والعقوبة بسبب الغفلة بقدر ما اكتسب بسبب هذه الغفلة عن العواقب وعدم الاهتمام بالحقوق.
- وغفلةٌ عن الشكر على النعم : فيأكل ويشرب ولا يتفكر في عظمة المنعم - سبحانه - ولا ما يجب له من الحقوق، ولا ينظر في الطرق التي وصل إليه بها الطعام أو الشراب واللباس الذي يقيه الحر والبرد ويتجمل به عند الناس، ولا يديم الشكر على النعم التي غمرته من كل جانب.. قال - تعالى - : فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ عبس 25 – 32، وقال - تعالى - :أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ الواقعة 68 – 70.
- وغفلةٌ عن الشكر على الصحة والعافية التي لا يشتريها أحدٌ بثمن.. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس : الصحة والفراغ ".
- وغفلةٌ عن الشكر على العقل الذي فضل الله - تعالى - به الإنسان ؛ فيدمره بالمسكرات والمخدرات، أو يستعمله في الشر ومحاربة الفضائل والخيرات، أو يعمله فلا ينتفع به.
- وغفلةٌ عن الشكر على المال، وشكر الله على المال بإعطاء الحقوق منه وعدم الاستطالة به، وعدم استعماله في المحرمات.
- وغفلةٌ عن الشكر على الأمن الذي به يقوي الله الدين ويجمع الكلمة ويصلح الله به الدنيا، ويأمن الناس به على نفوسهم وعلى أموالهم ومساكنهم.
وشكر الله عليه بألا يكيد لهذا الأمن ولا يمكن لأحد أن يعبث به.
- وغفلةٌ عن الشكر على الولد : فترك الشكر على الولد هو بتركه مهملاً بلا توجيهٍ وتربية إسلامية، وشكر الله على الولد بإلزامه بطاعة الله وإصلاح أمره وأحواله بما يحقق له السعادة في الدنيا والآخرة.. قال الله - تعالى - : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا.. النحل 18، .. إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ.. إبراهيم 34.. فليحذر المسلم من الغفلة ؛ فإن باب الغفلة يدخل منه الشيطان عليه وشر عظيم.. على المسلم أن يتقيه بما شرع الله له من العلم النافع والعمل الصالح، ودوام التذكر واليقظة، والحرص على إغلاق مداخل الشيطان عليه.. قال الله - تعالى - :إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ الأعراف 201 – 202.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ؛ إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي المتين، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلّمْ وباركْ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.. فاتقوا الله حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.
أيها المسلمون.. إن الله فرض تعظيمه وإجلاله وخشيته والرهبة منه .. فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ.. المائدة 44، وقال - تعالى - :ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ.. الحج 30، وقال - عز وجل - :فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ الواقعة 74.
وإن من إجلال الله وتعظيمه تعظيم كلامه - جل وعلا - وتعظيم اسمه بالعمل بكلامه وإكرامه وتقديس اسمه - جل وعلا -.
ألا وإنه في أيام الاختبار يقع من بعض الناس استهانة بالمصحف الكريم أو ببعض الآيات الكريمات أو باسم من أسماء الله الحسنى فيرميها على الأرض أو في الزبائل أو في القمامة، وهذا كفر بالله لما فيه من الاستهانة بالمصحف الكريم.. ونحذر من رمي المجلات والصحف التي فيها آيات أو أحاديث أو امتهانها بجعلها سفرة ؛ فهذه كبيرة من الكبائر.. وقد قال - تبارك وتعالى - :سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، ولما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" اجعلوها في سجودكم "، ولما نزل قول الله - عز وجل - :فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اجعلوها في ركوعكم"، وقال - عليه الصلاة والسلام - : " وأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا الدعاء فإنه قمنٌ أن يُستجابَ لكم ".. وقال - تبارك وتعالى - في محكم كتابه :تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.. قرأها ابن عامر - رحمه لله تعالى - بالرفع تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.. فكلام الله صفةٌ من صفاته..يعظم كما يعظم الرب - جل وعلا - واسم الله - تعالى - دالٌّ على ذات الرب ومتضمن صفاته فيعظم كذلك.
وعلى الطلاب إذا فرغوا من المواد التي اختبروا فيها.. على الطالب أن يحتفظ بها أو يردها للمدرسة والمصحف الكريم يدخله المساجد، ولا يجوز رمي شيء من ذلك، وعلى كل أحد رأى هذا عليه أن يرفع المصحف، وأن يكرم اسم الله - عز وجل - وأن يرفع ذلك.
ولا تمتهن الجرائد والمجلات التي فيها آياتٌ وأحاديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيجب إكرام ما وقع على الأرض من ذلك.
فاتقوا الله عباد الله.. تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وإياكم والغفلة التي يدخل الشيطان منها على ابن آدم ؛ فإن الله - تبارك وتعالى - قال :إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ فاطر 6.
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً الأحزاب 56، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - :"من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً " ؛ فصلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وسلم تسليماً كثيرا.. اللهم وارض عن الصحابة أجمعين وعن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم وارض عنا بمنك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الكفر والكافرين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك يا قوي يا عزيز، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضلَّ يا أرحم الراحمين يا رب العالمين إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين.. ضاعف حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم يا رب العالمين، اللهم تولَّ أمر كل مؤمن ومؤمنة، وتول أمر كل مسلم ومسلمة إنك أنت الله لا إله إلا أنت.. وأنت على كل شيء قدير اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا يا أرحم الراحمين، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم أعذنا من شر أنفسنا وأعذنا من سيئات أعمالنا، اللهم أعذنا من شر كل ذي شر يا رب العالمين أنت المعاذ لا إله إلا أنت، اللهم نسألك أن تثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم ثبت قلوبنا على طاعتك.
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح اللهم ولاة أمورنا.. اللهم وفق خادم الحرمين الشريفين لما تحب وترضى، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك يا رب العالمين وأعنه على أمور الدنيا والدين، اللهم أعنه على ما فيه الإصلاح والصلاح يا رب العالمين، اللهم وهيئ له البطانة الصالحة التي تذكره بالخير وتعينه عليه يا رب العالمين.. اللهم وفق نائبه لما تحب وترضى ولما فيه الخير للإسلام والمسلمين، اللهم وفق نائبه الثاني لما تحب وترضى ولما فيه الصلاح للبلاد يا رب العالمين.. اللهم اجعل ولاة أمور المسلمين عملهم خير لشعوبهم وأوطانهم إنك على كل شيء قدير، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ البقرة 201.
عباد الله..إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ النحل - 90 وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ النحل – 91.
اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، والله يعلم ما تصنعون.












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 01:01 PM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(4)
الصبر

الخطبة الأولى

الحمد لله العليم الخلاق .. قسم بين عباده الأخلاق كما قسم بينهم الأرزاق، أحمد ربي وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله المبعوث بمكارم الأخلاق ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم التلاق .

أما بعد ، فاتقوا الله - تعالى - وأطيعوه فإن طاعته أقوم وأقوى ، وتزودوا لآخرتكم بالتقوى ، واعلموا - عباد الله - أن العباد يتفاضلون عند ربهم بالتمسك بدينهم الحق وأخلاق الفضل والصدق كما قال – تعالى - : (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ) الأنعام 132 ، وفي الحديث القدسي عن الرب - تبارك وتعالى - أنه قال : " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " .
أيها المسلمون إن خلق الصبر خلقٌ كريم ووصفٌ عظيم وصف الله به الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام - ووصف به الصالحين فقال الله – تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ..) الأحقاف 35 ، وقال – تعالى - : (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ) الأنبياء 85 ، وقال - تعالى - (..وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ .. ) الحج 34 – 35 .وعن أنس مرفوع : ( الإيمان نصفان : نصف صبر ونصف شكر) ، وروى مسلم من حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " الطهور شرط الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض ، والصلاة نور ، والصدقة برهان ، لصبر ضياء ، لقران حجة لك أو عليك " .. والآيات والأحاديث في الصبر كثيرة شهيرة .
ومعنى الصبر: حبس النفس على الطاعة وكفها عن المعصية على الدوام.
أيها المؤمنون .. إن الصبر أنواعٌ متلازمةٌ لا ينفك بعضها عن بعض ؛ فمن أعظم أنواع الصبر ، الصبر عن المعصية والمحرمات قال الله - تعالى - : (وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) الرعد 22 .. وأكثر الناس يقدر على فعل الطاعة ويصبر عليها ولكنه لا يصبر عن المعصية، فالقلة صبره عن المحرم لا يكون من الصابرين ولا ينال درجة المجاهدين الصابرين ، فلا يعصم من ورود الشهوات إلا الصبر القوي والورع الحقيقي ..والمسلم إذا لم يكن متصفًا بالصبر فقد تأتي عليه ساعةٌ تلوح له لذةٌ عاجلة أو منفعةٌ قريبة أو شهوةٌ عابرة أو كبيرةٌ موبقة ؛ فتخور عزيمته وتضعف إرادته ويلين صبره ؛ فيغشى المحرم فيقع في الموبقات فيشقى شقاءً عظيمًا ويلقى عذابًا أليمًا ، فالصبر عن المحرمات للإنسان مثل الكوابح للسيارات .. فتصور سيارة بلا كوابح ، والإنسان إذا لم يحجزه صبره وإيمانه عن المحرمات كان مآله في الدنيا الذلة والهوان أو السجن .. وفي الآخرة جهنم وساءت مصيرا مهما كان قد أوتي حظٌّ في الدنيا .
والنوع الثاني من الصبر - وهو أعظمها - هو: الصبر على طاعة الله - تبارك وتعالى - على الدوام؛ بالصبر على أدائها وإصابة الحق فيها وإتباع السنة بعملها والصبر على المداومة عليها.. قال الله - تعالى - : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) الحجر 99 ، وقال - عز وجل - : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آل عمران 200 .. قال الحسن البصري - رحمه الله -: ( أُمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم.. وهو الإسلام ؛ فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا رخاء حتى يموتوا مسلمين ، وأن يصابروا الأعداء الذين ينالون من دينهم ) ..وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات على أمر الله فلا يضيع ، وروى مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ؛ فذالكم الرباط .. فذالكم الرباط .. فذالكم الرباط " .
والنوع الثالث من الصبر هو : الصبر على الأقدار والصبر على المصائب والمكاره التي تصيب العباد .. وذلك الصبر لا يكون محمودًا إلا مع الاحتساب بأن يعلم أن المعصية مقدرةٌ من الله وأن المصيبة التي وقع فيها هي بسبب المعصية ، وأن المصائب كلها بقضاء الله وقدره ، وأن من صبر أُجِر وأمر الله نافذ ، وأن من جزع وتسخط أَثِمَ وأمر الله نافذ ، قال الله - تبارك وتعالى - : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)البقرة 155 - 157، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - : (نعم العدلان ونعمت العلاوة) ؛ يعني أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة .. عدلان مشبهان بعدلي البعير في الحمل ، وأولئك هم المهتدون العلاوة .. وهو ما يكون بين العدلين .. وعن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا أراد الله بعبده خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا ، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يُوافَى به يوم القيامة ، وإن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء ، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم ؛ فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط " .. رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن .
ولقد أمر الله بالصبر في آيات كثيرة من كتابه؛ فالأمر بالصبر أمرٌ مطلق كما في قوله - تبارك وتعالى -: (وَاصْبِرْوَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ) النحل 127..
- وأمر بالصبر في أمور مخصوصة لشدة الحاجة للصبر فيها؛ فأمر بالصبر لحكم الله الشرعي والقدري.. قال الله - تعالى -: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) الإنسان 24 .
- وأمر بالصبر .. وأمر بالصبر على أذى الكافرين فقال - تبارك وتعالى - : (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) آل عمران 186.
- وأمر بالصبر على ما يترتب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما يترتب على ذلك من المشقة .. قال الله - تبارك وتعالى - عن لقمان : (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) لقمان 17 .
- وأمر بالصبر من ولي شيئًا من أمر المسلمين قليلًا كان أو كثيرا ؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر " ..
- وأمر الله المسلم أن يستعين بالله في التخلق بالصبر والتمسك بالطاعة.. قال تعالى: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ) البقرة 45 .
- وأمر أن يعوِّد المسلم نفسه على خلق الصبر في كل حالة وفي كل موطن؛ فإن العادة تساعد على الخلق، وفي الصحيحين: ( ومن يتصبر يصبره الله، ومن يستغنِ يغنه الله)، ووعد الله على الصبر أعظم الثواب والنجاة من العقاب.. فقال - تبارك وتعالى - : (.. إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) الزمر 10 ، وقال الله عن ثواب الصابرين (.. أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) الرعد 22 – 24 .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم.. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ، أحمد ربي وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد .. فاتقوا الله وأطيعوه؛ فإن طاعة الله - تبارك وتعالى - خيرٌ لكم في الدنيا وذخرٌ لكم في الآخرة.
عباد الله .. إن الصبر مر المذاق في ساعة الحال .. حلو المذاق في العاقبة والمآل ، قال - تبارك وتعالى - :(وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ) النحل 126- 127 ، وقال تعالى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) العنكبوت 58 – 59 ..فما أعظم سعادة من صبر على الطاعات وجانَبَ المحرمات واحتسب أجر الأقدار والمصيبات كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " .
أيها المسلم .. اعمل لدار البقاء والنعيم المقيم ، ولا تغرنك دار الفناء ؛ فعما قليل تخلفها وراء ظهرك ولا ينفعك مالٌ ولا ولدٌ ولا صديقٌ حميم .. عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل " .. فمن عرف ربه وعرف ما أعده لأوليائه وما توعد به أعداءه وعرف مقامه في هذه الحياة استلذ الصبر في مرضاة الله واستقل ما قام به من طاعة الله وخاف من هول المطلع وحذر من المحرمات.
عباد الله ..(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) الأحزاب - 56 ؛ فصلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين ؛ فقد أمركم الله - تعالى - بقوله : ( ..يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) الأحزاب – 56 ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : " من صلى علي صلاةً واحدةً صلى الله عليه بها عشرا" .. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد ، اللهم وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد ، وسلم تسليماً كثيرا ، اللهم وارض عن الصحابة أجمعين وعن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين ، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، اللهم وارض عنا بمنك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين.. اللهم أعز الإسلام والمسلمين.. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين ودمر أعداء الدين، اللهم ألف بين قلوب المسلمين واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم إنك على كل شيء قدير.
اللهم فقهنا والمسلمين في الدين إنك أنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم ، اللهم وفقنا لطاعاتك وجنبنا معاصيك ومحرماتك يا رب العالمين .
اللهم ونفس كرب المكروبين من المسلمين ، اللهم واقض الدين عن المدينين من المسلمين ، اللهم واشف مرضانا ومرضى المسلمين ، اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين إنك أنت الرحمن الرحيم ..اللهم أعذنا وأعذ ذريتنا من إبليس وذريته وجنوده وشياطينه يا رب العالمين ، اللهم أعذنا وأعذ ذريتنا من إبليس وذريته وجنوده وشياطينه يا رب العالمين ، اللهم أعذ المسلمين من الشيطان الرجيم وذريته وجنوده وشياطينه إنك على كل شيء قدير .
اللهم انصر دينك وكتابك يا رب العالمين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك يا رب العالمين يا أرحم الراحمين يا قوي يا عزيز..اللهم فرج عن إخواننا في غزة ، اللهم فرج عن إخواننا المسلمين في غزة ، اللهم فك حصارهم ، اللهم أطعم جائعهم ، اللهم احمل ماشيهم ، اللهم داو جريحهم ، اللهم أحفظ أموالهم وأعراضهم .. أحفظ دينهم وأموالهم وأعراضهم، واجعل لهم فرجًا يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير، اللهم فك حصارهم وفك أسرهم يا أرحم الراحمين ويا رب العالمين.
اللهم يا أرحم الراحمين فرج عن إخواننا المسلمين المظلومين من أعدائك الكافرين الذين فتنوهم في الدين إنك على كل شيء قدير، اللهم اجعل بلادنا آمنة مطمئنة يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا إمامنا لما تحب وترضى.. اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك، وأحفظه إنك على كل شيء قدير، اللهم أعنه على أمور الدنيا والدين وأصلح بطانته، وانصر به دينك وأعل به كلمتك واجمع به كلمة المسلمين يا رب العالمين.. اللهم وفق نائبه لما تحب وترضى ولما فيه الخير للإسلام يا رب العالمين إنك على كل شيء قدير .. اللهم اجعل ولاة أمور المسلمين عملهم خيرًا لشعوبهم وأوطانهم يا أرحم الراحمين.
اللهم ربنا اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت اعلم به منا.. أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت، اللهم أغثنا. اللهم أغثنا. اللهم أغثنا يا رب العالمين، اللهم أغثنا غيثًا عاجلًا يا رب العالمين، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت.. أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)البقرة 201 .
عباد الله ..(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل - 90 ، (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) النحل – 91 ..
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، والله يعلم ما تصنعون .












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 01:04 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(5)
الحسد

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيرا .
أما بعد .. فاتقوا الله حق التقوى وراقبوه في السر والنجوى.
أيها المسلمون .. صلاح الجوارح بصلاح القلب ، وأعمال القلوب في الثواب والعقاب كأعمال الجوارح .. يثاب على الموالاة والمعاداة في الله ويعاقب على الفخر والحسد والرياء ، وإصلاح القلب أفضل من نوافل العبادات ، ولا ينال المسلم الكمال إلا بزوال ما بقلبه من الحسد والأضغان .
وسلامة الصدر من صفات الأنبياء .. قال الله ممتدحًا خليله - عليه السلام -: (إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) الصافات 84 ..
"وشق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتين : مرة في صباه وأخرج منه العلقة ، وشق مرة أخرى قبل الإسراء وغسل قلبه في طست من ذهب بماء زمزم " .. رواه ابن حبان .
ومن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - معلمًا أمته : " اللهم اهدني واسلل سخيمة قلبي " .. أي حقده ، رواه أبو داود ، وأثنى الله على الأنصار بسلامة صدورهم : (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا) الحشر 8 ؛ أي ما أوتي إخوانهم المهاجرون من فضل وأخبر عن الصالحين من بعدهم بقوله : (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) الحشر 10 ..
وهو من أسباب دخول الجنة ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة - رضي الله عنهم - : " يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجلٌ من أهل الحنة ؛ فطلع رجل من الأنصار فسألوه عن عمله ، فقال : لا أجد في نفسي لأحدٍ من المسلمين غش ولا أحسد أحدًا على خيرٍ أعطاه الله إياه " .. رواه أحمد ..
وكان السلف يسعون لسلامة صدورهم فنعتوا بذلك ، قال ابن كثير - رحمه الله - واصفا قرينه ابن القيم : (كان حسن القراءة والخلق ، وكثير التودد .. لا يحسد أحد ولا يؤذيه ولا يستعيبه ، ولا يحقد على أحد ) ، ولا ينفع يوم القيامة إلا سلامة الصدر مع الإيمان ، قال - جل شأنه - : (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) الشعراء 88 – 89 ..
والله - سبحانه - فضل عباده بعضاَ على بعض في العطاء عدلًا منه وفضلاً ليظهر صبرهم وشكرهم ، قال - جل شأنه - : (وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ) النحل 71.
والحسد خلقٌ ذميم منعت دميم يقصد به الحاسد ذوي الفضائل والنعم .. اتصف به إبليس فرفض أن يسجد لآدم حسدًا له : (قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) الأعراف ، فكان أول ذنب عصي الله به في السماء ..
وهو من صفات اليهود والنصارى ، قال - عز وجل - : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ) النساء 54 ، وهو من أقوال مرضى القلوب .. قال - جل وعلا - : (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا) الفتح 15 ، وقد يؤدي بصاحبه إلى الكفر بالله .. قال - جل شأنه - : (إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) البقرة 34 ، ويتمنى به غير المسلم إخراج أهل الإسلام عن دينهم قال - عز وجل - : (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم) البقرة 109 ..
وقد يمنع من الدخول في الإسلام ، قال المسور بن مخرمة لأبي جهل : ( هل كنتم تتهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فقال : والله لقد كان محمدٌ فينا وهو شاب يدعى الأمين .. فما جربنا عليه كذبًا قط ، قال : فما لكم لا تتبعونه ؟ قال : تنازعنا
نحن وبنو هاشم الشرف .. فأطعموا وطعمنا وسقوا وسقينا وأجاروا وأجرنا .. حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهانٍ قالوا : منا نبي .. فمتى ندرك مثل هذه ؟ والله لا نؤمن به ولا نصدقه أبدا ) .
وقد يقتل صاحبه الآخرين : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ) المائدة 27 ، وهو فتنة لقلوب الناس .. قال - عز وجل - : (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا) الأنعام 53 ..
قال ابن رجب - رحمه الله - : (الحسد مركوز في طباع البشر والسعيد من سعا إلى دفعه ) ، وهو مناف لكمال الإيمان قال - عليه الصلاة والسلام - : " لا يجتمعان في قلب عبد .. الإيمان والحسد " .. رواه النسائي ، وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته من هذا الداء فقال لهم : " لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا " .. رواه مسلم .
الحسد منبع الشرور ويوجب الظلم ويورث القطيع .. قال ابن عقيل - رحمه الله - : ( اعتبرت الأخلاق – أي تأملتها – فإذا أشدها وبالًا الحسد) ..
والحاسد ضعيف النفس ، كل نعمةٍ على غيره يراها عظيمة ، مبغضٌ لنعم الله على عباده ، يتألم من فضيلةٍ تظهر أو منقبةٍ تشكر ، إن رأى فضل الله على خلقه اغتم .. وإن عاين زوالها سُر ؛ فلا راحة لحاسد .. يفرح لحزن الناس ويحزن لفرحهم ، لا يرى قضاء الله عدلًا ولا لنعمه على الناس أهلا ، ولسانه يخرج سواد قلبه .. قال - سبحانه - : (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ) محمد 29 .
قال معاوية - رضي الله عنه - : ( إياك والحسد ؛ فإنه يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك ، يربي صاحبه ويقوده إلى الذل والمهانة ) .. كما حدث لإخوة يوسف حينما طلبوا من أخيهم الذي حسدوه الصدقة عليهم: (قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا) يوسف 88 ، ليس في خصال الشر أعدن من الحسد .. ينتقم من نفسه بنفسه قبل أن يصل إلى المحسود ، ومن رأى حال الحاسد في همه وغمه وكمده أشفق عليه ، والحاسد اشتغل بما لا يعنيه فأضاع ما يعنيه .
الحسد رفعةٌ للمحسود .. إذ النفوس لا تحسد إلا العظيم ، وكم من نعمةٍ خافيةٍ أظهرها حسود ! وكم من عبد أثني عليه بعد أن حُسِد ! حسد هابيل ابن آدم فبقي ذكره يثنى عليه في كتاب الله ، وبحسب فضل الإنسان وظهور نعم الله عليه يكثر حسد الناس له ..
وأعظم نعمة يحسد المرء عليها هي نعمة الإسلام ، قال - عز وجل - : (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء) النساء 89 ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حُسِد على القرآن : (وَقَالُوالَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) الزخرف 31 ..
والمحسود مظلومٌ مأمورٌ بالصبر والعفو والصفح .. قال - عز وجل - : (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) البقرة 109 ..
ويوسف - عليه السلام - قال لإخوته : ( لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ) يوسف 92 ، ونار الحاسد تُطفأ بالإحسان عليه ، وكلما ازداد شر الحاسد فزده إحسانا ونصحا وشفقةً عليه .
والحسد يمنع كمال الإيمان .. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " .. متفق عليه .
الحسد معصيةٌ يجب على المسلم أن يتوب منها ، وأن يرضى بالقضاء ويستسلم للمقدور ولا يعارض الله في أمره ، ويفرح بكرم الله على عباده ويدفع عن قلبه تلك المعصية طاعةً لله وخوفًا من عقابه وبعد من أن يكره نعم الله على عباده ، وأن ينظر لمن هو دونه ويتذكر نعم الله عليه ويقنع بعطاء الله له .. فكل حاسدٍ محسود ، وأن يتعوذ بالله من الحسد ويبادر إلى الدعاء للمحسود ويتمنى زيادة الخير لأخيه المسلم ، فمن أعطى غيرك نعمةً فهو قادرٌ - سبحانه - أن يعطيك مثلها وأحسن منها .
والغبطة حقاً إنما هي في عطاء درجات الآخرة .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) النساء 32 .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ..
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب ؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .


الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه ، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله .. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .
أيها المسلمون .. أحب القلوب إلى الله أرقها وأصفاها ، ولا أهنأ حياةً من مؤمنٍ سليم الصدر .. إن رأى نعمةً ساقها الله إلى أخيه فرح بها ورأى فضل الله فيها وفقر عباده إليها ، وما عادى أحدٌ مسلما فأفلح ، وفي الرضا بما قسمه الله سلامة للقلب ، وكلما كان العبد أشد رضًى كان القلب أسلم ..
وعلى المرء أن يقهر نفسه عن مذموم خلقها ويحجزها عن لئيم طبعها وجماع الطرق التي يصان منها القلب الحرص والشهوة والغضب والحسد ..
ومن أحب أن ينعم الله عليه فلا يلتفت لأحوال الناس ، وليجعل صدره سليمًا ، ومن نظر إلى ذنوبه استكثر ما هو فيه من النعم ، وما حفظ عبدٌ نعمة الله عليه بمثل شكرها وما عرضها للزوال بمثل عصيان الله بها ؛ فسارعوا بشكر نعمه عليكم يزدكم من فضله ويهب لكم من الخير ما تسعدون به في الدنيا والآخرة .
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه فقال في محكم التنزيل : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) الأحزاب 56 ..
اللهم صلّ وسلّم على نبينا محمد ، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر الصحابة أجمعين ، وعنا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين ، واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين .
اللهم اصرف عنا شر الحاقدين والشامتين والحاسدين يا رب العالمين ، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) البقرة 201 ..
اللهم إنا نسألك التوفيق والسعادة في الدنيا والآخرة ، اللهم ألهمنا الصواب ، ووفقنا للحق وجنبنا الفتن .
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت .. أنت الغني ونحن الفقراء .. أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أغثنا . اللهم أغثنا . اللهم أغثنا ، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) الأعراف 23 .
اللهم وفق إمامنا لهداك واجعل عمله في رضاك ، ووفق جميع ولاة المسلمين للعمل بكتابك وتحكيم شرعك يا ذا الجلال والإكرام .
عباد الله .. (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل 90 ؛ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على آلائه ونعمه يزدكم ، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 01:12 PM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(6)
تقوى الله والحذر من بطشه

الخطبة الأولى
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا .. من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه الذين نالوا من الفضل كماله .
أما بعد .. فاتقوا الله كما أمركم ، وتقربوا إليه كما رغبكم فيه ، واحذروا ما عنه نهاكم .
عباد الله .. لو اعتبر الناس وتفكروا في تقلب الليل والنهار وانقضاء الأعمار وبغتة الآجال وغرور الآمال وفتنة الأهل والمال وسرعة تعاقب السنين والانخداع بزخرف الدنيا والانهماك بملذاتها وقد آذنت بزوال .. لو تفكروا واعتبروا لأصلحوا العمال وقدموا لآخرتهم الحسنات وكفوا عن السيئات ، ولكان همهم حسن المآل وعاقبة الأحوال ، ولنزعوا من شر الأخلاق إلى أفضل الخصال ..
لكن النقص والخلل في الاعتقاد والأعمال والأقوال بما يرد على القلوب بالشهوات والشبهات وضعف العزائم والإرادات في أداء الفرائض والواجبات والوقوع في المحرمات .. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ... " ؛ فأصلحوا قلوبكم بالقرآن وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - .
ألا وإن الدين تضره البدع والمحدثات وتقضي عليه وتضره الشهوات المحرمات ، وما انحط المسلمون إلا بوقوع الشهوات والبدع والمحرمات في مجتمعاتهم .. قال الله - تعالى - : (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) مريم 59 ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " وإياكم ومحدثات الأمور ؛ فإن كل بدعةٍ ضلالة .. " .
يا من اغتر بالنعم .. يا من لم يساكن قلبه الندم .. يا من تجرأ على ذي المجد والكرم .. يا من نسي الموت وفجأته .. ويا من نسي القبر وظلمته ؛ اتق الله في نفسك فلن تطيق بطش الله وعقوبته ..
واعلموا عباد الله أن سبيل النجاة واحدٌ لا ثاني له وهو ما سلكه السلف الصالح ؛ فإذا اقتفيت آثارهم كنت من الفائزين وإن خالفتهم كنت من الهالكين .. قال الله - تعالى - : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة 100 ، وقال - تبارك وتعالى - : (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً)النساء 115 ، أين نحن من حال السلف الصالحين الذين رفعهم الله درجات وجعلهم قدوةً في الصالحات .. طهرتهم العبادات وزكتهم أعمالهم ولم يتدنسوا بالسيئات .
أيها المسلم .. إن كنت على نهجهم فاحمد الله واسأل الثبات على دينك ، وإن كنت مقصر والتقصير واقع من كل أحدٍ فاجتهد لتكون معهم ، وإن كنت مخالفًا لهم فتب إلى الله قبل الموت ..
تمسك بالكتاب والسنة ، واعرف حال السلف الصالح وأحببهم ؛ فإن النبي - صلى اله عليه وسلم - قال : " المرء مع من أحب " ، واعمل بما نقل عنهم من السيرة الصالحة ومن الوصايا الخالدة والحكم النافعة ، واغتنم حياتك قبل طي أيامك ؛ فإن وراء الحياة الدنيا حياة الأبد .. إما نعيمٌ وإما عذابٌ أليم ، قال أيفع بن عبد الكلاع : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ قال الله : يا أهل الجنة كم لبثتم في الأرض عدد سنين ؟ قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم ، قال : نِعْمَ ما اتَّجَرْتُمْ في يومٍ أو بعض يوم رحمتي ورضواني وجنتي .. امكثوا فيها خالدين مخلدين ، ثم يقول لأهل النار : كم لبثتم في الأرض عدد سنين ؟ فيقولوا : لبثنا يومًا أو بعض يوم ، فيقول : بئس ما اتَّجَرْتُمْ في يومٍ أو بعض يوم سخطي ومعصيتي وناري .. امكثوا فيها خالدين مخلدين " .. رواه ابن أبي حاكم نعيم في الحلية .. مرسل .
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : "نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس : الصحة والفراغ " .. رواه البخاري ..
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : (( أخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمنكبي فقال : " كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل " .
وكان ابن عمر يقول : (( إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك )) .. رواه البخاري .
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – : " قال لرجل : اغتنم خمسًا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك " .. رواه الحاكم وصححه ..
واغتنامها بالعمل الصالح ، قال بعض السلف : ( ما من يوم ينشق فجره إلا قال : يا ابن آدم إني خلقٌ جديد ؛ فاعمل في الصالحات فإني لا أعود أبدا ) .
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الدنيا : (إنها لدار صدقٍ لمن صدقها ، ودار عافيةٍ لمن فهم عنها ، ودار غنىً لمن تزود منها ، متجر أولياء الله .. اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة ) .
وقال الحسن : ( نعمت الدنيا كانت الدنيا للمؤمن ؛ وذلك لأنه عملٌ قليل وأخذ زاده منها إلى الجنة ، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق ؛ وذلك لأنه ضيع لياليه وكانت زاده إلى النار ) .
ألا وإن من سعادة ابن آدم أن يتوب إلى الله دائمًا من الذنوب كلها في كل وقت ، قال الله - تعالى - : (فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ)القصص 67 .
ألا وإن من شقاوة ابن آدم أن يؤخر التوبة حتى تفوته .. قال - تبارك وتعالى - : (أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ) التوبة 126، قال - تبارك وتعالى - : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) فاطر 5 – 6 .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم ..
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ؛ إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي المتين ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله .. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد ، فاتقوا الله - تعالى - حق التقوى ، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى ..قال الرب - جل وعلا - : (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) آل عمران 133 – 134 ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بادروا بالأعمال ستا : طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان ، أو الدجال ، أو الدابة ، أو خاصة أحدكم ، أو أمر العامة " . رواه مسلم .
ومعنى " خاصة أحدكم أو أمر العامة " : الفتنة التي تخص الواحد في نفسه أو الفتن التي تصيب عامة الناس ؛ فإنها تشغل عن العبادات
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: " بادروا بالأعمال سبعاً .. هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غنىً مطغياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً ، أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال .. فشر غائبٍ يُنتَظر ، أو الساعة .. فالساعة أدهى وأمر " . رواه الترمذي .
وقال وهب : " مكتوبٌ في حكمة آل داود - عليه السلام - : ينبغي للعاقل ألا يغفل عن أربع ساعات : ساعةٍ يحاسب فيها نفسه ، وساعةٍ يناجي فيها ربه ، وساعةٍ يلقى فيها إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه ، وساعةٍ يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل ؛ فإن هذه الساعة عونٌ له على تلك الساعات ، وفضل بلغة واستجمام للقلوب " : يعني ترويح لها .
عباد الله ..(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) الأحزاب - 56 ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : " من صلَّى علي صلاةً واحدةً صلى الله عليه بها عشرا" ؛ فصلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين ..
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد ، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد ، وسلم تسليماً كثيرا ..
اللهم وارض عن الصحابة أجمعين ، وعن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين ، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، اللهم وارض عنا بمنك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين .. اللهم أعز الإسلام والمسلمين .. اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الكفر والكافرين يا رب العالمين ، اللهم نفس كرب المكروبين من المسلمين يا رب العالمين ، اللهم واقض الدين عن المدينين من المسلمين ، اللهم واشف مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين ، اللهم ألف بين قلوب المسلمين على الحق يا أرحم الراحمين وأصلح ذات بينهم وأهدهم سبل السلام ، اللهم فقهنا والمسلمين في الدين إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ، اللهم إنا نعوذ بك من سوء القضاء ، وشماتة الأعداء ودرك الشقاء وجهد البلاء ، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما أنت اعلم به منا ؛ أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت .
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين .
اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح اللهم ولاة أمورنا ، اللهم وفق ولي أمرنا إمامنا لما تحب وترضى ..اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك يا رب العالمين ، واجمع به كلمة المسلمين إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه يا رب العالمين ، اللهم احفظه إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم وفق نائبه لما تحب وترضى ولما فيه الخير يا رب العالمين ، اللهم وارزقه العافية والصحة إنك على كل شيءٍ قدير
اللهم اجعل ولاة أمور المسلمين عملهم خيرٌ لشعوبهم وأوطانهم يا رب العالمين
اللهم أبطل مكر أعداء الإسلام ، اللهم أبطل كيد أعداء الإسلام إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك يا أرحم الراحمين يا قوي يا عزيز .
اللهم أنت الإله الحق لا إله إلا أنت إله الأولين والآخرين وإله الدنيا والآخرة ، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أصلح لنا شأننا كله يا رب العالمين يا حي يا قيوم .
اللهم أعذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، اللهم وأعذنا من شر كل ذي شر .
عباد الله ..(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)النحل - 90 .
(وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)النحل – 91
اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم ، ( ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ) .












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 01:18 PM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(7)
الجنة والنار

الخطبة الأولى
الحمد لله العزيز الغفور ، الحليم الشكور : ( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)الحديد 4- 6 ، أحمد ربي وأشكره وأتوب إليه وأستغفره ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي الكبير ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله المبعوث بالرحمة والنور .. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه ذوي السعي المشكور .
أما بعد، فاتقوا الله تعالى؛ فإن تقواه نجاة من عذابه وفوز بثوابه.
أيها المسلمون .. إن لكم داراً غير هذه الدار ، إما دار نعيم أبدي مقيم ، وإما دار عذاب سرمدي أليم ..وكل آت قريب ، فالليل والنهار يختلفان والخلق يلبسونهما إلى أجل مسمى والموت غاية كل مخلوق .. قال الله تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)الرحمن 26- 27 ، ولا يكذب بالموت أحد ، فأما المؤمن فيستعد له ، وأما الفاجر فيغره أمله حتى يصرعه أجله ، ألا وإن دار الدنيا تصلح بصلاح الأعمال ، وتتغير بقبيح الفعال ..قال الله نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)النحل 97 ، وقال - تعالى - نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةوَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ..) المؤمنون 71 ، فنعم دار الابتلاء لمن أصلحها بالخيرات ، وبئست الدار لمن اتبع فيها الشهوات ، قال الله - تعالى - نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةولِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)النجم 31، وقال - تعالى - نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةيَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) فاطر5.
ألا وإن في الدنيا جنة .. من دخلها دخل جنة الآخرة ألا وهي طاعة الله - تعالى - بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ..قال الله - تعالى - نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةوَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)الزخرف 72، وإن نار الآخرة لا يدخلها إلا من اخترق سياج شهواتها ، وفي الحديث :"حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " رواه البخاري ومسلم ، فاطلبوا - عباد الله - جنة ربكم بحسن العمل مع الإخلاص لله - تعالى - والعمل بسنة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - فمن لم يكن على إخلاص وسنة فهو مبعد من رحمة الله - عز وجل - وقد رغب الله - تعالى - في جنته فوصفها لكم كأنها رأي عين وذكر أهلها وذكر أعمالهم ؛ ليعمل العاملون ويتسابق المتسابقون ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ألا هل من مشمر للجنة ؟ فإن الجنة لا خطر لها ، هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مضطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام في أبد في دار سليمة وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية – قالوا : نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها ، قال : قولوا إن شاء الله ، فقال القوم : إن شاء الله" رواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنه - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : " قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها ؟ ، قال: لبنة ذهب ولبنة فضة ، وملاطها المسك (وهو ما يكون بين الحجرين) ، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت ، وترابها الزعفران من يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد لا يموت ، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه" رواه أحمد والترمذي ، وعن جابر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يأكل أهل الجنة فيها ويشربون ، ولا يغوطون ولا يمتخطون ولا يبولون ، لكن طعامهم ذاك جوشاء كرشح المسك ، يلهمون التسبيح والتكبير ، كما يلهمون النفس" رواه مسلم ، وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الدنيا لملأت ما بينهما ريحا ، ولنصيفها أي خمارها على رأسها خير من الدنيا وما فيها " رواه البخاري ومسلم ، وعن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إنكم سترون ربكم عياناً ، كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته " رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ": إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها ، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة : رجل يخرج من النار حبواً ، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة ، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول : يا رب وجدتها ملأى ، فيقول الله - عز وجل- : اذهب فادخل الجنة ، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول : أتسخر بي- أو تضحك بي - وأنت الملك ؟ قال: فلقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحك حتى بدت نواجذه ، فكان يقول : ذلك أدنى أهل الجنة منزلة " رواه البخاري ومسلم ، فهذا الوعد الصدق والثواب الحق ، ودار الخلد والنعيم هو الذي جعل السلف الصالح - رضي الله عنهم - يبذلون أنفسهم وأولادهم ، ويفارقون أوطانهم لله -عز وجل - لطلب مرضاته وجنته ، ويتصفون بالفضائل ويبتعدون عن الرذائل ،ويحسنون إلى الخلق ويحبون لله ويغضون لله ، ويعطون لله ويمنعون لله - عز وجل - طلباً لرضوانه - تبارك وتعالى - وجنته .. لا تفتر هممهم ولا ينقطع عملهم ، ولا يضعف خوفهم ورجاؤهم لربهم ، ولا ينسون ذكر ربهم .
فيا من غرته دنياه ونسي أخراه ، ويا من جرأه حلم الله على المعاصي فضيع الواجبات ، ويا من متعه الله بالنعم وظن أنه أوتي الحظ السعيد .. الزم الأمر الرشيد واستفق من سكرات حياتك ، واستيقظ من نوم غفلتك ، فما أسرع الموت وسكراته ! وما أقرب القبر وظلماته ! وما تخطاك إلى غيرك سيتخطى غيرك إليك ، وليس بينك وبين الجنة أو النار إلا نزول ملائكة الموت ، ففرو إلى رب كريم ، واحذروا - عباد الله - دار الهوان والعذاب الأليم ؛ فإن الله قد أنذركم وحذركم من النار ، ووصف لكم عذابها كأنها رأي العين ، وذكر أعمال أهلها لنجتنب تلك الأعمال ، وأخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشدة عذابها ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه ، كما يغلي المرجل ..ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً وإنه لأهونهم عذاباً " من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - وأما أشدهم عذاب في النار فذلك الكرب العظيم ..طعام ضريع وزقوم ، والشراب المهل ، والصديد والحميم ، واللباس من قطران ومن قطع النار ، قال الله - تعالى - نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةلَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)الأعراف 41 .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم .. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ؛ إنه هو الغفور الرحيم .


الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين ، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين .. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد .. أما بعد ، فاتقوا الله - تعالى - حق التقوى ، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى .. يقول الله - تعالى - نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)الحديد 21 ، ويقول الله – تعالى - : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)التحريم 6 ، وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" ما رأيت مثل النار نام هاربها ، ولا مثل الجنة نام طالبها " رواه الترمذي .
أيها المسلمون .. إن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهم كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام" ، فاعملوا بعمل أهل الجنة تكونوا من أهلها ، ولا تعملوا بأعمال أهل النار لألا تكونوا من أهلها ، وعلى المسلم أن يكثر الدعاء أن يدخله الله الجنة ، ويعيذه من النار ؛ فذلك هو غاية المسلم ومنتهى أمانيه ..قال رجل : يا رسول الله إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، ولكني أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "حولها ندندن" .
عباد الله .. (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) الأحزاب - 56 ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : " من صلَّى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا " ؛ فصلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين ..
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد ، اللهم وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد ، وسلم تسليماً كثيرا ..
اللهم وارض عن الصحابة أجمعين ، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..اللهم وارض عنا بمنك وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين ، اللهم وارض عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين - أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين ، اللهم وأرض عنا برحمتك يا أرحم الراحمين .
اللهم أعز الإسلام والمسلمين .. اللهم أعز الإسلام والمسلمين .. اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك يا أرحم الراحمين يا قوي يا عزيز ، اللهم فقهنا والمسلمين في الدين ، اللهم فقهنا والمسلمين في الدين ، اللهم فقهنا والمسلمين في الدين ، اللهم تب علينا يا أرحم الراحمين ، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أسرفنا وما أنت اعلم به منا ؛ أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت .
اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.. يا حي يا قيوم أصلح لنا شاننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين يا رب العالمين ، نور عليهم قبورهم ، وضاعف حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم .
اللهم اجعل بلادنا آمنة مطمئنة رخاء وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين ، اللهم أعذنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن ، اللهم ونفس كرب المكروبين من المسلمين ، اللهم واقض الدين عن المدينين من المسلمين ، اللهم واشف مرضانا ومرضى المسلمين ، اللهم أعذنا وأعذ ذريتنا من إبليس وذريته ، وجنوده وشياطينه يا رب العالمين ، اللهم أعذ المسلمين من إبليس وذريته ، وجنوده وشياطينه ..إنك على كل شيء قدير .
اللهم يا ذا الجلال والإكرام نسألك أن تغيثنا ، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ..إله الأولين والآخرين أنت القوي المتين ، وأنت الرزاق ذو القوة المتين ، وأنت على كل شيء قدير ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا يا أرحم الراحمين ..ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا إنك أنت الغفور الرحيم ، اللهم وفق ولي أمرنا إمامنا لما تحب وترضى .. اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك يا رب العالمين ، وأعنه على أمور الدنيا والدين ، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه يا رب العالمين ، اللهم أعنه يا رب العالمين ، ووفقه لما فيه الخير للإسلام يا رب العالمين .. اللهم وفق نائبه لما تحب وترضى ولما فيه الخير للإسلام يا رب العالمين ، وارزقه الصحة ؛ إنك على كل شيء قدير.
اللهم يا رب العالمين اجعل ولاة أمور المسلمين عملهم خيرا لشعوبهم وأوطانهم .. ألف بين قلوب المسلمين وأصلح ذات بينهم ، وأهدهم سبل السلام وأخرجهم من الظلمات إلى النور يا رب العالمين .
اللهم أبطل كيد أعداء المسلمين ، اللهم أبطل كيد أعداء المسلمين ، اللهم أحبط مكرهم ، اللهم أعذنا من سوء القضاء ، وشماتة الأعداء ودرك الشقاء .
عباد الله ..(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)النحل - 90 (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)النحل – 91 ..
اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على نعمه يزدكم .. ( ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون ).












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 01:24 PM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(8)
أبواب الخير

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِه الله فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله - حقَّ التقوى، وراقبوه في السرِّ والنَّجوى.

أيها المسلمون:
امتنَّ الله على عباده، وشَرَع لهم أنواعًا من العبادات؛ لتتنوَّع اللذَّات في جنَّات النعيم، والله سبحانه بفضله جعل لكل عملٍ من الأعمال المحبوبة له والمسخوطة أثرًا وجزاءً ولذَّة وألمًا يخصه، لا يُشبه أثر الآخَر وجزاءه؛ ولهذا تنوَّعت لذَّات أهل الجنة وآلام أهل النار، وتنوَّع ما فيها من الطيِّبات والعقوبات، فلبِرِّ الوالدين جزاءٌ، ولصِلَة الرَّحِم ثوابٌ؛ فمَنْ كان من أهل الصَّدقات دخل من باب الصَّدَقة، ومَنْ كان من أهل الصيام دخل من باب الريَّان، وكلُّ بابٍ لأهله من الجزاء ما ليس لغيرهم.

قال ابن القيم - رحمه الله -: "مَنْ تنوَّعت أعماله المُرْضِيَة المحبوبة له في هذه الدار؛ تنوَّعت الأقسام التي يتلذَّذ بها في تلك الدار، وتكثَّرت له بحسب تكثُّر أعماله هنا، وكان مزيده بتنوُّعها والابتهاج بها والالتذاذ هناك، على حسب مزيده من الأعمال وتنوُّعه فيها في هذه الدار".

فرمضان تُضاعف فيه الأعمال، وتُكفَّر فيه الخطايا والأوزار؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان - مكفراتٌ لما بينهما؛ إذا اجتُنِبَت الكبائر))؛ رواه مسلم.

وهو شفيعٌ لأصحابه؛ قال أهل العلم: "ما استعان أحدٌ على تقوى الله وحفظ حدوده واجتناب محارمه بمِثْل الصوم".

وفي تلاوة القرآن أجرٌ عظيم، كلُّ حرفٍ بحَسَنَة، والحَسَنَة بعَشْر أمثالها، والعبد منزلته في الآخرة عند آخر آيةٍ كان يرتِّلها في الدنيا، وفي القبر والحشر يشفع القرآن لصاحبه عند الله، وهو نورٌ وهدًى وشفاءٌ؛ قال عثمان - رضي الله عنه -: "لو طهرت قلوبكم؛ ما شبعت من كلام ربِّكم".

وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاةُ الليل، وهي من صفات أهل الجنة؛ قال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 15 - 18].

وصلاة الليل من أسباب دخول الجنة؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((يأيها الناس، أَفْشُوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام - تدخلوا الجنَّة بسلام))؛ رواه التِّرمذي.

وكان النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم - يقوم من الليل حتى تتفطَّر - أي تتشقَّق - قدماه من القيام، وكان الصحابة - رضي الله عنهم - يقومون معه، ويحرصون على إحياء الليل بالصلاة؛ قال - عز وجل -: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} [المزمل: 20]، وقال سبحانه في وصفهم: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29].

ومَنْ صلَّى مع الإمام حتى ينصرف؛ كُتب له قيامُ ليلةٍ، والمرء في ظلِّ صدقته يوم القيامة، وموعود بالمغفرة والغِنى؛ قال سبحانه: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة: 268].

والمنفِق المؤمن آمنٌ في الدنيا والآخرة؛ قال - جلَّ وعلا -: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274].

والمتصدِّق تتيسَّر له أعماله؛ قال سبحانه: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5 - 10].

وكان النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم - أعظم الناس صدقةً، ولا يستكثِرُ شيئًا أعطاه، ولا يردُّ سائلاً، وكان العطاء والصَّدقة أحبُّ شيءٍ إليه، وكان سروره بما يعطيه أعظم من سرور الآخِذ بما يأخذه.

والزكاة من أركان هذا الدِّين، لا يقوم الإسلام إلا بها، تُطهِّر المال وتُنْميه وتزكِّيه؛ فطَبْ بها نَفْسًا، وابذُلْ بها كفًّا، وواسِ بها محرومًا أو يتيمًا أو مَنْ فقد عائلاً، وأخلِصْ بها قلبكَ، واحذرِ التَّسويف في إخراجها؛ فلا تعلم ما يعرض لك.

والمرأة مأمورةٌ بما يؤمَر به الرجال من التلاوة والتعبُّد والصَّدَقة وقيام الليل، وصلاتها في دارها خيرٌ لها من صلاتها في مسجدها؛ قال النبي - صلَّى الله عليه وسَلَّم -: ((وبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ))؛ رواه أبو داود.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإيَّاكم بما فيه من الآيات والذِّكْر الحكيم.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسَلَّم تسليمًا مزيدًا.

أيها المسلمون:
القلوب أوعيةٌ وخيرها أوعاها، وتصفية العمل من الآفات أشدُّ من العمل، ورمضان موسم الاغتنام واستباق الخيرات، وقد أفلح من أخلص فيه لربِّه، وكل ما لا يُبتغى به وجه الله يضمحل، وكتمان الحسنات من الإخلاص، والرياء من مفسدات الأعمال، فاحذروا الرياء، {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} [آل عمران: 133].

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه؛ فقال في محكم التنزيل: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على نبيِّنا محمد، وارضَ اللهمَّ عن خلفائه الراشدين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنَّا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

اللهمَّ أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهمَّ هذا البلد آمنًا مطمئنًا رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

اللهمَّ تقبَّل منَّا صيامنا وقيامنا، اللهمَّ أَعْتِقْ رقابنا من النار، اللهمَّ إنَّا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة، اللهمَّ لا تحرمنا خير ما عندك بسوء ما عندنا، اللهمَّ إنَّا نسألك التوفيق والسعادة في الدنيا والآخرة.

{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23].

اللهمَّ وفق إمامنا لهداك واجعل عمله في رضاك، ووفق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك وتحكيم شرعك يا رب العالمين.

عباد الله:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يَزِدْكم، ولَذِكْرُ الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 01:33 PM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(9)
اعملوا لدار الجزاء

الحمد لله العزيز الغفور الحليم الشكور، {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الحديد: 4 - 6].
أحمد ربي وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي الكبير، وأشهد أن نبَّينا وسيِّدنا محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالرحمة والنور، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ذوي السعي المشكور.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى؛ فإن تقواه نجاةٌ من عذابه، وفوزٌ بثوابه.
أيها المسلمون:
إن لكم دارٌ غير هذه الدار؛ إما دار نعيمٍ أبديٍّ مقيم، وإما دار عذابٍ سرمديٍّ أليم، وكل آتٍ قريب؛ فالليل والنهار يختلفان، والخلق يلبسونهما إلى أجل مسمَّى، والموت غاية كل مخلوق؛ قال الله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 - 27].
ولا يكذِّب بالموت أحد؛ فأما المؤمن فيستعد له، وأما الفاجر فيغره أمله حتى يصرعه أجله!!
ألا وإن دار الدنيا تصلح بصلاح الأعمال، وتتغير بقبيح الفعال؛ قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]. وقال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71].
فنعم دار الابتلاء لمن أصلحها بالخيرات، وبئست الدار لمن اتبع بها الشهوات، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31]، وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5].
ألا وإن في الدنيا جنَّة مَنْ دخلها دخل جنة الآخرة؛ ألا وهي طاعة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف: 72].
وإن نار الآخرة لا يدخلها إلا مَن اخترق سياج شهواتها وتجرَّأ على ربه، وفي الحديث: ((حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات)).
فاطلبوا - عباد الله - جنَّة ربكم بحسن العمل، مع الإخلاص لله تعالى، والعمل بسنَّة نبيِّكم - صلى الله عليه وسلم - فمَنْ لم يكن على إخلاصٍ وسنَّة؛ فهو مُبْعَدٌ عن رحمة الله - عزَّ وجلَّ - وقد رغَّب الله تعالى في جنَّته، ووصفها لكم كأنها رأيَ عين، ووصف أهلها وذكر أعمالهم؛ ليعمل العاملون، ويتسابق المتسابقون.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا هل من مشمِّرٍ للجنَّة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نورٌ يتلألأ، وريحانةٌ تهتز، وقصرٌ مَشيد، ونهرٌ مُطْلَب، وثمرةٌ نضيجة، وزوجةٌ حسناء جميلة، وحُلَلٌ كثيرة، ومقاد في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة وحضرة، ونعمة في محلَّة عالية بهية))!! قالوا: نعم يا رسول الله، نحن المشمِّرون لها؛ قال: ((قولوا: إن شاء الله))، فقال القوم: إن شاء الله؛ رواه ابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" من حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنه.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قلنا: يا رسول الله، حدِّثنا عن الجنَّة؛ ما بناؤها؟ قال: ((لَبِنَةُ ذهب، ولَبِنَةُ فضة، وملاطُها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، مَنْ يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد لا يموت، ولا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه))؛ رواه أحمد والترمذي.
وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوَّطون ولا يمتخَّطون ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك غشاءٌ كرَشْح المسك، يُلْهَمون التسبيح والتكبير كما يُلْهَمون النَّفَس))؛ رواه مسلم.
وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لَغدوةٌ في سبيل الله أو رَوْحَة - خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم عن موضع كده في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت الدنيا وما فيها ولملأت ما بينهما ريحا، ولنصيبها خير من الدنيا وما فيها))؛ رواه البخاري ومسلم.
وعن جرير بن عبدالله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنكم سترون ربَّكم عيانًا، كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته))؛ رواه البخاري ومسلم.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها - أو: آخر أهل الجنة دخولاً الجنة -: رجلٌ يخرج من النار حَبْوًا، فيقول الله - عزَّ وجلَّ - له: اذهب فادخل الجنة؛ فيأتيها، فيُخيَّل إليه أنها ملأى؛ فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها ملأى! فيقول الله - عزَّ وجلَّ - له: اذهب فادخل الجنة؛ فيأتيها، فيُخيَّل إليه أنها ملأى؛ فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها ملأى!! فيقول الله - عزَّ وجلَّ - له: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها - أو: إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا - فيقول: أتسخر - أو: تضحك - بي وأنت الملك!)). قال: فلقد رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحك حتى بَدَت نواجذه؛ فكان يقول: ((ذلك أدنى أهل الجنة منزلةً))؛ رواه البخاري ومسلم.
فهذا الوعد والصدق، والثواب الحق، ودار الخلد والنعيم - هو الذي جعل السلف الصالح - رضي الله عنهم - يبذلون أنفسهم وأموالهم، ويفارقون أوطانهم؛ نصرةً لدين الله، وحبًّا لله ولرسوله، ويتَّصفون بالفضائل، ويبتعدون عن الرذائل، ويُحسنون إلى الخَلْق، ويحبُّون لله، ويبغضون لله، ويُعطون لله، ويمنعون لله؛ طلبًا لرضوان الله وجنَّته، لا تفتر هِممهم، ولا ينقطع عملهم، ولا يضعف خوفهم ورجاؤهم لربِّهم، ولا ينسون ذِكْرَ ربِّهم.
فيا مَنْ غرَّته دنياه ونسي أخراه، ويا مَنْ جرَّأه حلم الله على المعاصي فضيَّع الواجبات، ويا مَنْ متَّعه الله بالنِّعم وظن أنه أوتي الحظ السعيد: الزم الأمر الرشيد، واسْتَفِقْ من سَكْرَتِك، واستيقظ من نوم غفلتك، فما أسرع الموت وسَكَراته!! وما أقرب القبر وظلماته!! وما تخطَّاك إلى غيرك سيتخطَّى غيرَك إليك، وليس بينك وبين الجنة والنار إلا نزول ملائكة الموت.
ففروا إلى رب كريم، واحذروا - عباد الله - دار الهوان والعذاب الأليم؛ فإن الله تبارك وتعالى قد أنذركم وحذركم من النار، ووصف لكم عذابها كأنها رأي العين، وذكر أعمال أهلها؛ لنجتنب تلك الأعمال.
وأخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشدة عذابها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار، يغلي منهما دماغه كما يغلي المِرْجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا!))؛ رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنهما -.
وأما أشدهم عذابًا في النار؛ فذلك الكرب العظيم والرِّجز الأليم:
الطعام: ضريعٌ وزَقُّوم.
الشراب: المُهْل والصَّديد والحميم.
اللِّباس: من قطران ومن قطع النار.
قال تعالى: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 41]، {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 16].
ألا إن سبب دخول الجنة والنجاة من النار القيام بأركان الإسلام وما يتبعها.
ألا وإن صيام رمضان ركنٌ من أركان الإسلام، وقد طُويت صحائفه بما فيه، فمَنْ وُفِّق فيه للصيام والقيام فيما مضى؛ فليحمد الله على ذلك، وليشكر الله - عزَّ وجلَّ - وليثبت على طاعة الله - عزَّ وجلَّ - فإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
ومَنْ قصَّر فليتب إلى الله - تبارك وتعالى - فإن التوبة بابها مفتوحٌ في كل وقت، وإن من عقوبة المعصية المعصية بعدها؛ قال الله - تبارك وتعالى -: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114].
وإن المعصية بعد الطاعة إما أن تذهبها وإما أن تنقص ثوابها، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكْر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعروة الوثقى؛ يقول الله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
ورُوي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما رأيتُ مثل النار ما مهاربها، ولا مثل الجنة ما مطالبها))؛ رواه الترمذي.
أيها المسلمون:
إن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام)).
فاعملوا بعمل أهل الجنة فكونوا من أهلها، ولا تعملوا بأعمال أهل النار لئلا تكونوا من أهلها.
وعلى المسلم أن يكثر الدعاء دائمًا أن يدخله الله الجنة ويعيذه من النار؛ فإن الدعاء هو مخُّ العبادة، كذلك هو غاية المسلم ومنتهى أمانيه؛ قال رجلٌ: يا رسول الله: إني لا أُحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، ولكني أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((حولها ندندن)).
ألا وإن مَنْ صام ستَّةً من شوال فإنه كصيام الدهر، وقد رغَّب النبيُّ - عليه الصلاة والسلام - في صيام هذه الستَّة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ صام رمضان، وأتبعه ستًّا من شوال؛ فكأنما صام الدهر كله))؛ رواه مسلم.
عباد الله:
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((من صلَّى عليَّ صلاة واحدة صلَّى الله عليه عشرا)).
اللهمَّ صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميدٌ مجيدٌ، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
اللهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين يا رب العالمين. اللهمَّ انصر دينك وكتابك وسنة نبيك.
اللهمَّ فرِّج هم المهمومين من المسلمين، واقضِ الدين عن المدينين من المسلمين، اللهمَّ واشف مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين.
اللهمَّ أعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، اللهمَّ أعذنا من إبليس وذريته يا رب العالمين.
اللهمَّ إنَّا نسألك أن تغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنَّا وما أنت أعلم به منَّا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.
اللهمَّ اغفر لموتانا وموتى المسلمين، اللهمَّ ضاعف حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم يا رب العالمين.
اللهمَّ أنت الله لا إله إلا أنت رحمن الدنيا والآخرة ورحيمها لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهمَّ أغثنا يا أرحم الراحمين ويا رب العالمين، أنت ربنا وإلهنا وأنت على كل شيء قدير.
اللهمَّ أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
اللهمَّ إنَّا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهمَّ أغننا بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك يا رب العالمين.
اللهمَّ ألِّف بين قلوب المسلمين، واجعلهم متعاونين على الحق والبر والتقوى يا رب العالمين، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واكفهم أعداء الإسلام يا رب العالمين.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].
اللهمَّ وفق ولي أمرنا إمامنا لما تحب وترضى، اللهمَّ وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك يا رب العالمين، وأعنه على أمور الدنيا والدين، وانصر به دينك وأعلِ به كلمتك. اللهمَّ وفق نائبه لما تحب وترضى، اللهمَّ انصر به دينك، اللهمَّ وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك.
اللهمَّ إنَّا نسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تشرح صدورنا، اللهمَّ اشرح صدورنا ويسر أمورنا وأحسن عاقبتنا يا أرحم الراحمين، تقبل حسناتنا وتجاوز عن سيئاتنا.
عباد الله:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 90 - 91].
اذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 01:42 PM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(10)
فضل الصدق

الخطبة الأولى
أمَّا بعد: فاتَّقوا الله تَعالى بامتِثالِ أمرِه والبُعدِ عن غَضَبِه ومَعصيَتِه، فإنَّ التقوَى بابُ كلِّ خَير، والفجورَ بابُ كلِّ شَرّ.
واعلَموا ـ عِبادَ الله ـ أنَّ مَنزِلةَ العَبدِ عِندَ ربِّه هِيَ بِإيمانِه وخُلُقِه، وقيمَةَ الإنسانِ عندِ الله وعند الخَلقِ هي بهذا الإيمانِ والعَمَل الصَّالح، لا بمالِه ولاَ بقوَّته ولاَ بجاهِهِ، قال تعالى: وَمَا أَمْوالُكُمْ وَلاَ أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِى الْغُرُفَاتِ ءامِنُونَ [سبأ:37].
ألاَ وإنَّ الأعمَالَ الصَّالحةَ تتفَاضَلُ في الثَّواب والصِّفات الحميدة، يَزيدُ بعضُها على بعضٍ في الأجرِ والمنازل بحَسَب عُمومِ نَفعِها لِصَاحبِها وللخَلقِ، كمَا أنَّ الأعمالَ السيِّئةَ والأفعالَ والصِّفاتِ القبيحةَ يعظُم عقابها وجزاؤُها الأليم بحسَب ضَررِها وطَيَران شرَرِها لصاحبِها وللخَلق، قال الله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [الأحقاف:19].
ألا وإنَّ الصِّدقَ خُلُقٌ كَريم ووَصفٌ حسنٌ عَظيم، لاَ يتَّصِفُ به إلا ذو القَلبِ السّليم، أمَرَ الله تَعَالى به في كتابِه فقال تبَارَك وتعَالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119].
الصّدقُ يَكشِف عن مَعدنِ الإنسان وحُسنِ سَريرَتِه وطيبِ سيرتِه، كما أنَّ الكذِبَ يكشِف عن خُبثِ الطويَّة وقُبح السيرة. الصدقُ مَنجاة والكذِب مَرداة. الصّدقُ محبوبٌ ممدوحٌ في العقول السليمَة والفِطَر المستقيمة. حثَّ على الصِّدقِ رسول الهدَى ، فعن ابن مَسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول اللهِ : ((عَلَيكم بالصِّدق، فإنَّ الصِّدقَ يهدِي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدِي إلى الجنَّة، ولا يزال الرجُلُ يصدُق ويتحرَّى الصدقَ حتى يُكتَبَ عند الله صدّيقًا، وإيّاكم والكذبَ، فإنَّ الكذِبَ يهدي إلى الفجورِ، وإنَّ الفُجورَ يهدي إلى النَّار، ولا يزال الرَّجل يكذِب ويتحرَّى الكذبَ حتى يُكتَبَ عند الله كذّابًا)) رواه البخاريّ ومسلم
وقَد وَعَدَ الله علَى الصِّدقِ ثوابه العظيمَ وجزاءَه الكبيرَ في الدنيا والآخرة، ففي الدّنيا يَرزُق اللهُ صاحبَ الصدق حُسنَ الأُحدوثَة ومحبَّةَ الله ومحبَّة الخَلقِ، وتُثَمَّن أقوالُه، ويُؤمَنُ جانِبُه، ويُريحُ النّاسَ من شَرِّه، ويحسِن إلى نفسِه، ويحسِن إلى غَيره، ويُعافى منَ الشرورِ والمهالك التي تصيب الكَذّابين، ويطمئنُّ بالُه وقلبه، فلا يمزِّقه القَلق والخوفُ، ففي الحديثِ عن الحَسنِ بنِ عليٍّ رضي الله عنهما قال: حَفِظتُ مِن رَسولِ الله : ((دَع مَا يَريبُك إلى ما لا يَريبك، فإنَّ الصّدقَ طمأنينة والكذبَ ريبة)) رواه الترمذيّ وقال: "حديث صحيح"
وتكونُ عواقبُ الصّادِقِ في حَيَاتِه إلى خَيرٍ، كما في حديثِ كَعب بنِ مالكٍ رضي الله عنه في قِصّةِ تخلُّفِه عن غزوةِ تَبوك: قلت: يا رسولَ الله، إني ـ والله ـ لو جَلَستُ عند غيرِك من أهلِ الدنيا، لرَأيتُ أني سأخرُج من سخَطِه بعُذر، لقد أُعطِيتُ جدلاً، ولكني ـ والله ـ لقد عَلِمتُ لئن حدّثتُك اليومَ حديثَ كذبٍ تَرضَى به عنِّي، ليوشِكنَّ الله يُسخِطُك عَليَّ، وإن حدّثتُك حَديثَ صِدقٍ تجِدُ عليَّ فيهِ، إني لأرجُو فيه عُقبى الله عزّ وجلّ. رواه البخاري ومسلم، أي: أرجو مِنَ الله العاقبةَ الحَميدةَ في صدقي، وقد كان ذلك في شأنه رضي الله تعالى عنه.
وأمّا ثوابُ الصّدقِ في الآخرة فرضوانُ الله تبارك وتعالى والدّرجاتُ العُلى في الجنّة التي فيها مَا لاَ عينٌ رَأَت ولا أُذُن سمِعت ولا خَطَر على قلبِ بَشَر، ففي القُرآنِ العظيم قال الله تعالى: هَاذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [المائدة:119]، وقَالَ تَعَالى: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69].
فَما حقيقةُ هذا الصِّدقِ الذي وَعَد الله عليه أحسَنَ الثوابِ ونجَّى صاحبَه من العذاب؟
الصدقُ صِدقُ أقوالٍ وصِدق أفعال:
فصِدق القولِ أن يَقولَ الحقَّ بِتَبلِيغ كَلامِ الله تعالى أو كَلامِ رسولِ الله ، أَو يَأمُر بحَقٍّ، أو يَنهَى عن باطل، أو يخبِر بما يُطابِقُ الوَاقِعَ، قال الله تعالى: وَالَّذِى جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:33]، وفي الحدِيثِ عَنِ النَّبيِّ : ((المؤْمِنُ إذا قالَ صدَق، وإذا قيلَ له يُصَدِّق)).
والصِّدقُ في الفِعلِ هوَ مُعامَلةُ الله تَعَالى بِصِدقِ نيَّةٍ وإِخلاصٍ ومحبَّةٍ لله ويَقينٍ، ومُعاملةُ الخَلق بصدقٍ ورَحمةٍ ووَفاءٍ، قال الله تبارك وتعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَاكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصلاةَ وَءاتَى الزكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة:177]، وَقَالَ تعَالى: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً [الأحزاب:23].
والصِّدقُ هو موافقةُ الظاهر للباطنِ في الخير، وهو موافقة الأقوال والأعمال بعضها لبَعضٍ، والكذبُ هو مخالفةُ الباطنِ للظاهر في الشرّ والمخادَعةُ والمكر. والإيمانُ أَصلُهُ الصِّدقُ والتَّصدِيق، فالصِّدقُ إذًا يكونُ بالأقوالِ ويكون بالأفعالِ.
وقَد كانَ السَّلفُ رضي الله عنهم أشدَّ الناسِ تمسُّكًا بخُلُق الصّدق مع ربِّهم ومع عِبادِ الله، عن كعبِ بن مالك رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ اللهَ تعالى إنما أنجَاني بالصِّدق، وإنَّ مِن تَوبَتي أن لا أحَدِّثَ إلاّ صِدقًا ما بَقِيتُ، فواللهِ مَا علِمتُ أحدًا منَ المسلمين أبلاه الله تَعَالى في صِدقِ الحديثِ مُنذُ ذَكَرتُ ذلك لرسولِ الله أحسَنَ ممَّا أبلاني، واللهِ مَا تَعَمَّدتُ كذبَة منذ قلتُ ذلك لرسولِ الله إلى يومِي هَذَا، وإنِّي لأَرجُو أن يحفظَني اللهُ تعالى فيما بقِي. رواه البخاري ومسلم.
ووصَفَ اللهَ المهاجرينَ الأوَّلين بخُلُقِ الصِّدقِ فقَال تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8].
بَارَك الله لي ولَكم في القرآنِ العَظيم، ونَفَعني وإيّاكم بما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكر الحكيم، ونفَعَنا بهديِ سيِّد المرسلين وبِقَوله القويم. أقول قَولي هذا، وأستغفِر الله العَظيم الجَليلَ لي ولكم ولسائر المسلمين مِن كلِّ ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

-------------------------
الخطبة الثانية
الحمدُ لله الملِكِ القدّوس السّلام، رفع مَنارَ الإسلام، وعمَّ خَلقَه بالنّعَم العِظام، أحمدُ ربِّي وأشكُره، وأتوبُ إليه وأستَغفِره، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وَحدَه لا شَريكَ له ذُو الجلالِ والإكرَام، وأشهَد أنّ نبيَّنا وسَيِّدَنا محمّدًا عبده ورسوله، كشف الله به دَيَاجيرَ الظَّلام، اللهمّ صلِّ وسلّم وبارِك على عبدك ورسولك محمَّد، وعلى آله وصحبِه الأئمة الأعلام.
أمّا بعد: فاتّقوا الله تعالى وأطيعوه، وتقرَّبوا إليه بما يُرضِيه.
أيّها المسلمون، إنَّ الصِّدقَ خلُقٌ يحبُّهُ الله ورسوله، ويعرِف فضلَه العقلاء الحكماء، دعا إليه نبيُّ الرحمة مع دعوتِه لعِبادةِ الله وَحدَه لا شريكَ له في أوَّلَ بِعثتِه وطولَ حياتِه عليه الصلاة والسلام، عن أبي سُفيانَ رضيَ الله عنه أنَّ هِرَقلَ سألَه عن النَّبيِّ فَقَال: فمَاذا يأمُرُكم؟ قُلتُ: يَقول: ((اعبُدوا اللهَ وَحدَه لاَ تُشرِكوا بِهِ شيئًا، واترُكُوا مَا يَقول آباؤكم))، ويأمرنا بالصّلاة والصِّدق والعَفَافِ والصِّلَة. رواه البخاري ومسلم.
قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدّقِينَ وَالْمُتَصَدّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35].
فكُونُوا ـ عِبادَ الله ـ مِنَ الصّادقِين في أقوَالِكم وأَعمالِكم؛ فإنَّ الصّدقَ بابٌ من أبواب الجنَّة، لا يقرِّب أجلاً، ولا يمنَع رِزقًا، ولا يفوِّتُ مصلَحَةً.
عبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقد قال : ((من صلّى عليَّ صلاةً واحِدةً صلّى الله عليه بها عشرًا)).
فصلّوا وسلِّموا على سيّد الأوّلين والآخرين وإمامِ المرسَلِين.
اللَّهمَّ صلِّ علَى محمّد وعلى آل محمّد...












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 01:44 PM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(11)
فضل الصبر

الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه؛ فإن طاعته أقوم وأقوى، وتزوّدوا لآخرتكم بالتقوى.
واعلموا ـ عباد الله ـ أن العباد يتفاضلون عند ربهم في دينهم الحق وأخلاق الفضل والصدق كما قال تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام:132]، وفي الحديث القدسي عن الرب تبارك وتعالى أنه قال: ((يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه)).
أيها المسلمون، إنّ خُلُق الصبر خلقٌ كريم ووصف عظيم، وصف الله به الأنبياء والمرسلين والصالحين، فقال تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، وقال تعالى: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنْ الصَّابِرِينَ [الأنبياء:85]، وقال عز وجل: وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ [الحج:34، 35]، وعن أنس مرفوعا: ((الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر))، وروى مسلم من حديث أبي مالك الأشعري أن النبي قال: ((الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ـ أو: تملأ ـ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك)).
والآيات والأحاديث في الصبر وفضله كثيرة شهيرة.
ومعنى الصبر: حبس النفس على الطاعة وكفُّها عن المعصية والدوام على ذلك.
أيها المؤمنون، إن الصبر أنواع متلازمة، فأعظم أنواع الصبر الصبر عن المعصية والمحرمات، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:22]. وأكثر الناس يقدر على فعل الطاعة ويصبر عليها، ولكنه لا يصبر عن المعصية، فلقلّة صبره عن المحرمات لا يوصف بأنه من الصابرين، ولا ينال درجة المجاهدين الصابرين، فلا يعصم من ورود الشهوات إلا الصبر القويّ والورع الحقيقي، والمسلم إذا لم يكن متصفا بالصبر فقد تأتي عليه ساعة تلوح له فيها لذّة عاجلة أو منفعة قريبة أو شهوة عابرة أو كبيرة موبقة، فتخور عزيمته، وتضعف إرادته، ويلين صبره، ويغشى المحرّم، ويقع في الموبقات، ويشقى شقاء عظيمًا، ويلقى عذابًا أليما، فالصبر عن المحرمات للإنسان مثل كوابح السيارات، فتصوّر سيارة بلا كوابح، والإنسان إذا لم يحجزه صبره وإيمانه عن المحرمات كان مآله في الدنيا الذلة والهوان أو السجن، وفي الآخرة جهنّم وساءت مصيرا، مهما كان قد أوتي حظا في الدنيا.
النوع الثاني من الصبر هو الصبر على طاعة الله تعالى، بالصبر على أدائها وإصابة الحق فيها بالتمسك بسنة النبي والصبر على المداومة عليها، قال الله تبارك وتعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200]. قال الحسن البصري رحمه الله: "أمِروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء، ولا شدة ولا رخاء، وحتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يفتنون دينهم، وأما المرابطة فهو المداومة في مكان العبادة والثبات على أمر الله فلا يضيع. وروى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: ((ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)).
والنوع الثالث من الصبر هو الصبر على الأقدار والصبر على المصائب والمكاره التي تصيب العباد، وذلك الصبر لا يكون محمودًا إلا مع الاحتساب؛ بأن يعلمَ بأنّ المصيبة مقدّرة من الله، وأنّ من صبر أُجِر وأمر الله نافذ، ومن جزع وتسخّط أثم وأمر الله نافذ، قال تبارك وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157]. قال عمر بن الخطاب : (نِعمَ العِدلان، ونِعمتِ العلاوة)، يعني: أن قول الله تبارك وتعالى: أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ عدلان، يشبَّهان بعدلَي البعير في الحمل، وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ هي العلاوة، وهو ما يكون بين العِدلين.
وعن أنس قال: قال رسول الله : ((إذا أراد الله بعبده خيرًا عجّل له العقوبةَ في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشرَّ أمسك عنه بذنبه حتى يُوافَى به يومَ القيامة، وإنَّ عِظَم الجزاء مع عظم البلاء، وإنّ الله إذا أحبّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)) رواه الترمذي وقال: "حديث حسن".
ولقد أمر الله بالصبر في آيات كثيرة من كتابه:
فأمر بالصبر أمرًا مطلقًا، كما في قوله تعالى: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ [النحل:127].
وأمر بالصبر في أمور مخصوصةٍ لشدّة الحاجة إلى الصبر فيها: فأمر بالصبر لحكم الله تعالى الشرعي والقدريّ، قال الله تعالى: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا [الإنسان:24]. وأمر بالصبر على أذى الفاجرين، قال تبارك وتعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران:186]. وأمر بالصبر على ما يترتّب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأذى والألم لما في ذلك من المشقّة، قال تبارك وتعالى: يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان:17]. وأمر بالصبر لمن ولي شيئًا من أمر المسلمين قليلا كان أو كثيرًا، فقد قال وقد بلغه عن قوم أنهم يؤذونه بالكلام من المنافقين، فقال : ((لقد أوذي أخي موسى بأكثر من هذا فصبر)).
وأمر الله تعالى المسلم أن يستعين بالله في التخلّق بالصبر والتمسّك بالطاعة، فقال الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [البقرة:45]. وأمر الله المسلم أن يعوّد نفسه على خلُق الصبر في كلّ حالةٍ، فأمره بذلك فإنّ العادةَ تساعد على الخُلُق، ففي الصحيحين: ((ومن يتصبّر يصبِّره الله، ومن يستغن يُغنه الله)).
ووعد الله تبارك وتعالى على الصبر أعظم الثواب والنجاة من العقاب، قال تبارك وتعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، وقال عز وجل عن ثواب الصابرين: أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:22-24].
بارك الله لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونفَعني وإيّاكم بما فيهِ من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وبقولِه القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب فاستغفِروه، إنّه هو الغفور الرحيم.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدنا محمدًا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه؛ فإن طاعة الله أقوم وأقوى وذخر لكم في الآخرة والأولى.
عباد الله، إنّ الصبر مرّ المذاق في ساعة الحال، حلو المذاق في العاقبة والمآل، قال الله تعالى: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل:126، 127]، وقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [العنكبوت:58، 59].
فما أعظمَ سعادةَ من صبر على الطاعات وجانب المحرّمات واحتسب أجر الأقدار والمصيبات، كما قال النبي : ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى)).
أيها المسلم، اعمل لدار البقاء والنعيم المقيم، ولا تغرّنّك دار الفناء، فعمّا قليل تخلّفها وراء ظهرك، ولا ينفعك مال ولا ولد ولا صديق حميم. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ((كن في الدنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل)). فمن عرف ربّه وعرف ما أعدّه لأوليائه وما توعّد به أعداءه وعرف مقامه في هذه الحياة استلذّ الصبر في رضا الله تبارك وتعالى، واستقلّ ما قام به من طاعة الله، وخاف من هول المطَّلع، وحذر من المحرّمات، وضاعف الجهد في الطاعات.
عبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقد قال : ((مَن صلّى عليَّ صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا)).
فصلّوا وسلِّموا على سيّد الأوّلين والآخرين وإمام المرسلين.
اللّهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلِّم تسليما كثيرًا، اللّهم وارضَ عن الصحابة أجمعين...












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 01:48 PM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(12)
فضل الشكر

الخطبة الأولى
أما بعد: فاتقوا الله ـ عباد الله ـ حق التقوى، فتقوى الله نورٌ في القلب وذخرٌ في المنقلَب.
أيها المسلمون، لقد أجزلَ الله على عباده من نعمه العظيمة، وأغدق عليهم من آلائه الجسيمة، يمينه تعالى ملأى لا تغيضها نفقة، سحَّاءَ الليل والنهار، يقسِم الأرزاقَ ويغدِق العطايا، ويرزق من يشاء بغير حساب، يبتلي عبادَه بالنعم كما يبتليهم بالمصائب، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]، والله منعمٌ بهذا كلِّه، وفتنةُ السّرّاء أعظم من فتنة الضراء، وصاحبها يحتاج إلى صبر وشكر، والفقر والغنى مطيَّتا الابتلاء والافتتان، والصبر والشكر لازمان للعبد في أمر الربِّ ونهيه وقضائه وقدره، والتقوى مبنيةٌ عليهما.
وقد قرن سبحانه الشكرَ بالإيمان به فقال: مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ [النساء:176]، وأخبر سبحانه أن الشكرَ هو الغاية من خلقه وأمره: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78]، وجعل سبحانه رضاه في شكره: وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7]، والله خلق الليل والنهار للتفكر والشكر: وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:62]، وانقسم عبادُه إلى شكور له وكفور به: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:2]، وأخبر سبحانه أنه إنما يعبده من شكره، فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته: وَاشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172].
وقد أثنى الله على أوَّل رسولٍ بعثه إلى أهل الأرض بالشكر فقال: ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:2]، وأمر عبدَه موسى أن يتلقَّى ما آتاه من النبوة والرسالة والتكليم بالشكر فقال عز وجل: يامُوسَى إِنْى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ وَكُنْ مّنَ الشَّاكِرِينَ [الأعراف:144]، وأثنى على خليله إبراهيم بشكر نعمه: إِنَّ إِبْراهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأنْعُمِهِ [النحل:120، 121]، وأمر الله به داود فقال: اعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودَ شُكْرًا [سبأ:12]، ودعا سليمان عليه السلام ربَّه أن يكون من الشاكرين: رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى والِدَىَّ [الأحقاف:15]، وأمر الله رسوله محمدًا بالشكر فقال: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مّنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:66]، وأمر الله لقمانَ بالشكر فقال: وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للَّهِ [لقمان:12]، وأوَّلُ وصية وصَّى بها ربُّنا الإنسانَ [هي الوصية] بالشكر له وللوالدين فقال: أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوالِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ [لقمان:14].
وبالشكر أمر الأنبياءُ أقوامَهم، فقال إبراهيم عليه السلام لقومه: فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُواْ لَهُ [العنكبوت:17]، والآيات والعبر والعظات لا يتَّعظ بها إلا الشاكر، قال سبحانه: كَذالِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ [الأعراف:58]. وأغدق علينا النعمَ لنثني عليه بها، قال جل وعلا: وَرَزَقَكُم مّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال:26]، وهو وصية النبي لأصحابه، فقد قال: ((يا معاذ، أني أحبُّك، فلا تدعنّ أن تقول دبرَ كلّ صلاة: اللهم أعنِّي على ذكرك وشُكرك وحسن عبادتك))(. ودعاء العبد ربَّه أن يوافيَ نعمَ الله بالشكر من أفضل الأدعية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "تأمّلتُ أفضلَ الدعاء فإذا هو: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
وأهل الشكر هم المخصوصون بمنّتِه من بين عباده، وهم الذين لا يتزعزعون عند الفتن، وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144].
ولما عرف عدوُّ الله إبليس قدرَ مقام الشكر وأنه من أجلِّ العبادات وأعلاها جعل غايتَه السعيَ في قطع الناس عنه فقال: ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17].
ونبيُّنا محمد أشكرُ الخلق لربّه، خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وربط على بطنه الحجرَ من الجوع، وغُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، ويقوم من الليل حتى تتفطَّر قدماه، ويقول: ((أفلا أكون عبدًا شكورا؟!)). وداود عليه السلام كان ينام نصفَ الليل ويقوم ثلثَه وينام سدسَه، ويصوم يومًا ويفطر يومًا، والله عز وجل يقول له: اعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودَ شُكْرًا [سبأ:12].
والشكر أمنةٌ من العذاب، قال عز وجل: مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ [النساء:147]، ونجَّى الله لوطًا عليه السلام من العذاب بالشكر: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلاَّ ءالَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ نّعْمَةً مّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ [القمر:34، 35].
ولما تنكَّر قومُ سبأ لنعم الله وجحدوها وقابلوها بالعصيان سلبها الله منهم، وأذاقهم ألوانًا من العذاب، فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّاتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْء مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجْزِى إِلاَّ الْكَفُورَ [سبأ:16، 17]. وأصحاب الجنة في سورة القلم قابلوا نعمةَ الله بالنكران وحرمان المساكين، فطاف على ثمرهم طائف، فأصبحت زروعهم هباءً منثورا كالليل البهيم، يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: "عليكم بملازمة الشكر على النعم، فقلَّ نعمةٌ زالت عن قوم فعادت إليهم". والشاكرون لنعم الله قِلّة في الخلق، قال تعالى: وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ [سبأ:12].
وكلُّ نعمة لا تقرِّب من الله فهي نقمة، والشكر هو الحافظ للنعم الموجودة، والجالبُ للنعم المفقودة، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (النعمة موصولةٌ بالشكر، والشكر يتعلّق بالمزيد، ولا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر). والعبد إذا كانت له عند الله منزلة فحفظها وبقي عليها ثم شكر الله على ما أعطاه آتاه الله أشرفَ منها، وإذا ضيَّع الشكرَ استدرجه الله، يقول الحسن رحمه الله: "إن الله يمتِّع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابًا". وإذا رأيت ربَّك يوالي عليك نعمَه وأنتَ تعصيه فاحذره، قال سبحانه: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ [القلم:44]، قال سفيان رحمه الله: "يُسبغ عليهم النعم ويمنعهم الشكر".
ومن رُزق الشكرَ رُزق الزيادة، وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]، يقول أبو قلابة: "لا تضرّكم دنيًا شكرتموها". وقد ذمَّ سبحانه الكنودَ من عباده وهو الذي لا يشكر نعمه فقال سبحانه: إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبّهِ لَكَنُودٌ [العاديات:6].
أيها المسلمون، بشكر الله وطاعته تتفتَّح للعبد أبوابُ الدنيا والآخرة، قال عز وجل: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءامَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مّنَ السَّمَاء وَالأرْضِ [الأعراف:96]
وشُكر الله يكون بالقلب واللسان والجوارح.
فيكون بالقلب بنسبة النعم إلى بارئها، قال جل وعلا: وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:53].
ويكون باللسان بالإكثار من الحمد لمُسديها، يقول عليه الصلاة والسلام: ((الحمد لله تملأ الميزان)) رواه مسلم، فالحمد رأسُ الشكر وأوَّله، وهو أول آية في كتاب الله المجيد: الْحَمْدُ للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:1]، وقد أمر الله نبيَّه محمدًا أن يحدِّث بنعم الله فقال سبحانه: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ [الضحى:11].
والشكرُ بالجوارح يكون بالاستعانة بها على مرضاة الله، ومنع استخدامها في مساخطه وعصيانه، ولذا فشكرُ العين أن لا يبصرَ بها ما حرّم الله، ولا يطلق بصرَه على حرمات الله، وشكرُ اللسان أن لا يتحدَّث به إلا حقًا، ولا ينطقَ به إلا صدقًا، وشكرُ الأذنين أن لا يستمع بهما إلى غيبة وبهتان ومحرَّم.
وقد أمر الله بشكر الوالدين بقوله: أَنِ اشْكُرْ لِى وَلِوالِدَيْكَ [لقمان:14]، ومن شكرهما برّهُما والإحسان إليهما والدعاءُ لهما، والتودّد والتلطف لرضاهما، وخفضُ جناح الذلّ لهما، ومن العصيان عقوقهما والتأفّفُ والتنكّر لأوامرهما، والتثاقل عن طاعتهما. وأسعدُ الناس من جعل النعمَ وسائلَ إلى الله والدار الآخرة، وأشقاهم من توّصل بنعمه إلى هواه ونيل ملذاته.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ [البقرة:243].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا مزيدًا.
أما بعد: أيها المسلمون، ربُّنا متصفٌ بالشكر، وأحبُّ خلقه إليه من اتَّصف بصفة الشكر، كما أن أبغضَ خلقه إليه من عطّلها واتَّصف بصدّها، فهو سبحانه شكور يحبّ الشاكرين. ومِن شكر الله شكرُ من أسدى إليك معروفًا من خلقه، يقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناس)) رواه أحمد
وإذا أسديتَ إلى أحدٍ معروفًا فلا تترقَّبْ منه شكرا، وابتغ الثوابَ من الله، وكن قنوعًا بما رزقك الله تكنْ أشكرَ الناس، وأكثرْ من حمد الله والثناء عليه، فتلك عبادةٌ من أجلِّ العبادات، يقول عليه الصلاة والسلام: ((الطاعمُ الشاكر مثل الصائم الصابر)) رواه البخاري.
ومن لم يشكرِ القليل لم يشكرِ الكثير، وكان أبو المغيرة إذا قيل له: كيف أصبحت؟ قال: "أصبحنا مغرَقين بالنعم، عاجزين عن الشكر"، وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، وما من الناس إلا مبتلًى بعافية ليُنظر كيف شكرُه، أو ببليةٍ ليُنظرَ كيف صبره، فعليكم ـ عباد الله ـ بالجمع بين الصبر والشكر مع التقوى تكونوا أعبدَ الناس.
ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه فقال في محكم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم على خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون...












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 01:51 PM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(13)
الأخوة الإسلامية

الخطبة الأولى
أما بعد: فاتَّقوا الله وأطيعوه، واخشوا يومًا يجازِي الله كلاًّ فيه بعمله، فلا تظلَم نفس شيئًا وإن كان مثقالَ حبّة وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [فاطر:18].
أيّها النّاس، إنَّ الإسلامَ مبنيٌّ على أن لا نعبدَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، فلا نشرِك معه أحدًا في أيٍّ نوع من أنواع العبادةِ الظاهرة والباطنَة، قالَ الله تعالى: أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [هود:2]، ومبنِيٌّ كذلك على أن لا نعبدَ الله إلاّ بما شرَع، لا نعبده بالبِدَع والمحدثاتِ، قال الله تعالى: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رَسول الله : ((مَن عمِل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ))، و((من أحدَث في أمرنا هذَا ما ليس منه فهو ردّ)) رواه البخاري ومسلم.
ألاَ وإنَّ مِن أصول الدّين أخوّةَ الإسلام، فأخوّةُ الإسلام رابِطةٌ متينَة وحِصن حصينَة ونُصرة مبينة، أخوَّةُ الإسلام بها يتواصَل المسلمون، وبها يتناصرون ويقوَون، وبها يتراحمون ويتعاطَفون، وبها يتوارَثون، وبها يتعاوَنون، وبها يتناصَحون، ذكرها الله تعالى بعد الأمرِ بتقواه فقال عزّ وجلّ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال:1]، وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، وقال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71]، وعن النّعمانِ بن بشير رضي الله عنه عن النبيِّ قال: ((مثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمِهم وتعاطفِهم مثَلُ الجسد إذا اشتَكى منه عضوٌ تداعى له الجَسَد بالحمَّى والسّهَر)) رواه البخاري ومسلم، وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه عن النبيِّ أنه قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيانِ يشدُّ بعضه بعضًا)) رواه البخاري ومسلم، وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((لا تحاسَدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابَروا، ولا يبع بعضكم على بيعِ بَعض، وكونوا عبادَ الله إخوانًا، المسلِم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى ها هنا ـ ويشير إلى صدرِه ثلاث مرّات ـ، بحسب امرِئٍ من الشّرِّ أن يحقرَ أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرَام: دمه وماله وعِرضُه)) رواه مسلم.
ومن عنايةِ الله العظمى بأخوَّة الإسلام أنَّ الله أمر بالإصلاحِ بين المسلمين إذا شجَر بينَهم خلافٌ والقضاءِ على النزاعِ الذي يقع بينَهم بالعدل والحقِّ والقِسط، ومن بغى واعتَدَى على الأخوَّةِ الإسلاميّة أمَر الله مَن له قدرةٌ أن يقاتِلَه بقدر ما يندَفِع به بغيُه وعدوانه حتى يرجعَ إلى حكم الله تعالى ويدخلَ في حِصن الإخوة الإسلاميّة، قال الله تَعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات:9، 10].
ولِعِظَم أمر الأخوَّة الإسلاميّة آخَى النبيُّ بين المهاجرِين والأنصارِ أخوّةً عامّة وأخوّةً خاصّة، فكان يؤاخِي بين المهاجريِّ والأنصاريّ أوّلَ قدومِه إلى المدينة النبويّة، وكانوا يتوارثون بهذه الأخوَّة الإيمانيّة، ثم نسِخَ التوارث بالأخوّة الإسلاميّة فصار التوارُث بالقرابة، وأخبرَ النبيّ أنَّ كمالَ الإيمان أن يحبَّ المسلم لأخيه ما يحبّ لنفسه، فقال : ((لا يؤمِن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبّ لنفسه)) رواه البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه.
أيّها المسلمون، إنَّ الله تعالى لم يؤكِّد على تقويةِ أواصرِ الأخوّة بين المسلِمين ويقوِّ رَوابِطَها إلاّ لإعزازِ دينِ الله تعالى وحمايةِ مصالح المسلمينَ الدينيَّة والدنيويّة؛ ولذلك أمر الله بالاجتماعِ والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلافِ، فقال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [آل عمران:103]، وقالَ تعالى: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46]، ويقول النبيّ : ((وكونوا عبادَ الله إخوانًا)).
وإذا اجتمع المسلمون لبحثِ قضاياهم ومشكلاتهم بتوجيهٍ وحضٍّ من دينِهم فهم لا يريدون الظلمَ والعدوان على أحدٍ؛ لأنّ الإسلامَ ينهى عن العدوان وينهى عن الظلمِ كما قال تعالى: وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190].
والإسلام لا يريد للبشريةِ إلاّ الخير والصلاحَ، والمؤمنون خير الناس للناسِ، وأرحمُ الناسِ للناس. وأخوّةُ الإسلام يحمِي الله بها العدوانَ على الإسلام، وينصر بها الحقَّ والعدلَ، ويحفظ بها المصالحَ العامّة والخاصّة، قال الله تعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:62، 63]؛ لأن الناسَ لا تأتلِف قلوبهم ولا يجتَمِعون إلاّ على الحقِّ الذي بعَث الله به محمَدًا ، ويقول تعالى: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92]، ويقول : ((المسلِمون تتكافَأ دماؤهم، ويسعى بذمَّتِهم أدناهم، وهم يدٌ على من سِواهم))، ويقول : ((من لم يهتمَّ بأمر المسلمين فليس مِنهم))، ويقول عليه الصلاة والسلام: ((ما مِنكم أحَد إلاّ وهو على ثغرٍ من ثغورِ الإسلام، فاللهَ اللهَ أن يؤتَى الإسلام من قِبَله)).
أيّها المسلِمون، إنَّ القمَّةَ الإسلاميّة التي دعَا إلى عَقدِها إمامُ المسلِمين خادِم الحرمين الشرِيفَين حفظه الله ووفَّقه لمرضاتِه والمبادرةَ مِن ولاةِ الأمر في هذه البلاد قادَة الحرمين الشريفين وفقهم الله لمرضاته بدعوتهم زعماءَ العالم الإسلاميّ لهذه القمّة الإسلامية تمَّ في وقتٍ تضعضَع فيه حالُ أمّة الإسلام، وهانت على غيرها من الأمَم، وتفرَّقت كلِمتها، وأُهملت قضاياها في المحافِلِ الدوليّة، واشتدَّ الهجومُ على دينِها الإسلاميّ دينِ العدل والرحمة والخيرِ والسلام للبشريّة، وألصِقَ به ما ليس منه، في هذا الوقت الذي انعقَد فيه هذا الاجتماع للقمّة الإسلاميّة الاستِثنائيّ تتطلَّع شعوب العالم الإسلاميّ إلى قادة هذه الشعوب أن يقفوا صفًّا واحدًا لصدِّ الهجماتِ الشّرِسة الحاقِدة على عقيدةِ أمّة الإسلام التي هي عقيدةُ رسول الله وعقيدَةُ الصحابةِ رضي الله عنهم والتابِعين لهم بإحسانٍ ومن تبعهم بإحسان، وأن يدافعوا عن هذه العقيدةِ النقيّة المضيئة، وأن يدافعوا عن أخلاق الأمّة أخلاقِ الفضائل الإسلاميّة والمكرُمات المحمّدية وأن يظهِروا وجهَ الإسلام الحقيقيّ لغير المسلمين بما ذكره الله تبارك وتعالى في كتابه وبالاستقَامَة على دينه، ويبرِّئوه من كلّ فريةٍ وبدعة مخالفةٍ لكتاب الله وسنّة رسوله ، والشّعوب الإسلاميّة تتطلَّع إلى الأفضلِ في كلّ شيء، والإصلاح لا يكون إلاّ من داخل الشعوب الإسلاميّة، نابعٌ من القرآن والسنة، بِتعاون المجتمعاتِ مع حكّامِها وتوافُقهم على مصالحِ الأمّة وتفاهُمِهم، مَع حذَرِهم من العُنف والفِتن المدمِّرة التي لا تخدم إلاّ أعداءَ الإسلام، ومع الحِرص على تحكيم الشريعةِ الإسلاميّة في كلّ صغيرة وكبيرةٍ.
وللشعوبِ الإسلاميّة أملٌ ومطلب أن يرحِّب قادَتُها بنصحِ العلماء ومشورَتِهم وتقريبِهم في كلِّ ما يخدم الدينَ والمجتَمَع، ومِن التَّحدُّثِ بنِعمة الله علَينا أنَّ بابَ المناصحةِ مفتوح بين العلماءِ وبين ولاةِ الأمر في بلادنا وفَّقهم الله، بل بينهم وبين أفرادِ الرعيّة عبرَ قنوات متعدِّدَة، فتحقَّق بذلك مَصالحُ عظيمَة واندفَع مفاسِدُ جسيمة ولله الحمد؛ لأنَّ الشريعةَ توجب ذلك، وهِي مرجِع الجميع، قال النبيُّ : ((الدّين النصيحة، الدِّين النصيحة، الدّينُ النصيحة))، قلنا: لمن؟ قال: ((للهِ ولكتابه ولرسولِه ولأئمّة المسلمين وعامَّتِهم)) رواه مسلم من حديث تميم الداري رضي الله عنه.
ونَدعو علماء المسلمين أيضًا إلى تبصيرِ الناسِ بمنهَج سلفِ الأمّة منَ الصحابة والتابعِين ومَن تبعهم بإحسان، والدّعوة إلى الله بالحِكمة والموعظة الحسنَة والمجادلة بالتي هي أحسن، وتفقيه الناس وتعليمهم الإسلامَ بالأدلَّة من القرآن والسنّة، فلن يصلح آخرُ هذه الأمة إلاّ بما صلح به أوّلُها، قال الله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران:104-107].
بارك الله لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونفَعني وإيّاكم بما فيهِ من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقولِه القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب فاستغفِروه، إنّه هو الغفور الرحيم.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين والعاقبة للمتقين، أحمد ربي وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القويّ المتين، وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدنا محمدًا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتَّقوا الله حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعروةِ الوثقى.
أيّها المسلِمون، إنَّ الله تبارك وتعالى ربَط مصالِحَكم كلَّها وسعادةَ دنياكم وآخِرَتِكم بدينِكم واستِقامتكم عليه، قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:2، 3]، وقالَ تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف:13]، وعَن سفيانَ بن عبدِ اللهِ رضي الله عنه قال: قلتُ: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحد غيرك، قال: ((قل: آمنت بالله، ثم استقم)) رواه مسلم. واجتماع كلمة المسلمين تتحقَّق بها المصالح كلُّها، وتنتفي معها المفاسد كلّها، ويندَحِر بها كيدُ أعداءِ المسلمين.
عبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقد قال : ((مَن صلّى عليَّ صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا)).
فصلّوا وسلِّموا على سيّد الأوّلين والآخرين وإمام المرسلين.
اللّهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلِّم تسليما كثيرًا، اللّهم وارضَ عن الصحابة أجمعين...












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 01:55 PM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(14)
التحذير من الغيبة

الخطبة الأولى
أمَّا بعد: فيا عبادَ الله، اتَّقوا الله حقَّ تقواه، فمن اتَّقاه وقاه، ومن أطاعه أسعدَه ولا أشقاه.
إخوةَ الإسلام، مِنَ الأصول المقطوعِ بها في الإسلامِ وجوبُ صيانة اللِّسان عن أذيَّة أهل الإيمان، ومِن هنا فقد حرَّم الإسلام كلَّ ما يخالف هذا الأصلَ، ومن ذلك مرضٌ خطير وداء فتَّاك ومعوَل هدّام، ألا وهو داءُ الغيبةِ.
إنها الغيبةُ التي حقيقتها ذِكر مساوئِ الإنسان وما يَكرَهه في غيبته، يقول : ((أتَدرون ما الغيبة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلَم، قال: ((ذِكرُك أخاك بما يكره))، قيل: أرَأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: ((إن كان فيهِ ما تقولُ فقد اغتَبتَه، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه)) رواه مسلم.
قال ابن حجر رحمه الله في بيان الغيبةِ وتفسيرِها على التّفصيل: "هي ذِكرُ المرءِ بما يكره، سواء كان ذلك في بدَنِه أو دينِه أو دُنياه أو نفسِه أو خُلقه أو ماله".
أيّها المسلمون، والغيبةُ التي هذه حقيقتها هي كبيرةٌ من كبائر الذّنوب والعصيان، حكاه غيرُ واحد من أهل العرفان كابن حجَر والقرطبيّ عليهما رحمة الرحمن، يقول ربُّنا جلّ وعلا: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات:12]، ويقول نبيُّنا محذِّرًا من الغيبة: ((إيّاكم والغيبة)).
عبادَ الله، الغيبةُ خَصلة تنمّ على ضعفِ الإيمان وسلاطَةِ اللسان وخُبث الجَنان، فما أعظَمَ خطرَها، وما أشنَعَ جرمَها، يقول : ((يا معشرَ من آمن بلسانه ولم يدخُل الإيمان قلبَه، لا تغتابوا المسلِمين، ولا تتَّبعوا عوراتهم؛ فإنه من اتَّبع عوراتهم يتَّبعِ الله عورتَه، ومن يتَّبع الله عورتَه يفضَحه في بيته)) الحديث سنده جيد.
إخوةَ الإسلام، الغيبةُ سبَبٌ لعذاب القَبر وسبيل لسوءِ المصير في الآخرة، روى ابن ماجه واللفظُ له عن أبي بكرةَ رضي الله عنه قال: مرَّ النبيّ بقبرَين فقال: ((إنهما ليعذَّبان، وما يعذَّبان في كبير، أمّا أحدُهما فيعذَّب في البول، وأما الآخر فيعذَّب في الغيبة))، قال ابن حجر في الفتح: "أخرجه أحمد والطبراني بإسناد صحيح"، وعن جابر رضي الله عنهما قال: كنّا مع النبي فارتَفَعت ريحٌ منتِنة، فقال رسول الله : ((أتَدرون ما هذه الرّيح؟ هذه ريحُ الذين يَغتابون النّاسَ)) رواه أحمد، وقال المنذري: "رواته ثقات"، وقال ابن حجر في الفتح: "سنده صحيح".
معاشرَ المسلمين، الحذرَ الحذرَ من الوقوعِ في غيبة المسلمين والتّجَاسر على أعراضِ المؤمنين، فإنها ـ أي: الغيبة ـ خطيرةُ الضّرر شنيعة الأثر، يقول : ((لما عُرِج بي مررتُ بأقوام لهم أظفارٌ مِن نحاس يخمشون بها وجوهَهَم وصدورَهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يَأكلون لحومَ الناس ويَقَعون في أعراضهم)) أخرجه أحمد وأبو داود وسنده صحيح، وفي حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبيِّ أنه قال: ((مَن ذَكَر امرأً بشيءٍ ليس فيه ليعيبه به حبَسه الله في نار جهنَّم حتى يأتيَ بنفاذ ما قال فيه)) قال المنذري: "رواه الطبراني بإسناد جيد".
إخوةَ الإسلام، تأمَّلوا هذه النصوصَ وتبصَّروا في مدلولاتها، قِفوا عند حدودِها تَسلموا من شرِّ اللسان وتنجوا من حبائلِ الشيطان قبل فوات الأوان، واعلَموا أنَّ الخسارةَ الكبرى أن يبذُلَ المسلم حسناتِه لغيره عن طريقِ ذِكر مساوئ المسلمين والنَّيل في أعراض المؤمنين؛ ولهذا كان السّلف لا يرَونَ العبادةَ في الصلاة والصوم فحسب، بل ويرونَ أنها في الكفِّ عن أعراضِ المسلمين، ويُروَى عن الحسن أنَّ رجلاً قال له: إنَّ فلانًا قد اغتباك، فبعث إليه رُطَبًا على طبق، وقال: قد بلغني أنّك أهديتَ إليَّ مِن حسناتك، فأردتُ أن أكافِئَك عليها، فاعذُرني فإني لا أقدر أن أكافِئَك على التمام.
أيّها المسلمون، وتزداد خطورةُ الغيبة ويعظُم شرّها حينما يتَّخِذها المسلم سببًا لنيلِ عرَضًا من أعراض الدنيا وحُطامها الفاني، فرسولنا يقول: ((مَن أكل برجلٍ مسلِم أكلةً فإنّ الله يطعمه مثلَها من جهنَّم، ومن كسِيَ ثوبًا برجلٍ مسلم فإنَّ الله يكسوه مثلَه من جهنم)) الحديث صحيح عند المحققين.
أيّها المسلمون، الواجبُ المحتَّم على من سمِع غيبةَ مسلم أن يردَّها ويزجرَ قائلها بالمعروفِ، فإن لم ينزجِر فارقَ ذلك المجلسَ، كما قرَّر ذلك النوويّ وغيره من أهلِ العلم، يقول : ((من ردَّ عن عِرض أخيه ردَّ الله عن وجهِه النار يوم القيامة)) رواه الترمذي وقال: "حديث حسن".
فاتقوا الله أيّها المؤمنون، والتزِموا بأوامرِ الله وأوامِر رسوله تفلِحوا وتسعَدوا.
أقول هذا القولَ، وأستغفِر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

-------------------------
الخطبة الثانية
الحمدُ لله كما ينبغِي لجلال وجهِه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إلهَ إلاّ الله وحدَه لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيَّنا محمّدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللّهمّ صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.
أمّا بعد: فيا أيّها المسلِمون، أوصيكم ونَفسي بتقوَى الله عزّ وجلّ؛ فهي خير الزادِ ليومِ المعاد.
أيّها المسلمون، وقد ذكَر العلماء من مُنطلَق نصوصِ الشرع مواضِعَ تُباح فيها الغيبة للضّرورة إليها، وهي التظلُّم من ظالمٍ عند من يقدِر إنصافَه، وفي الاستفتاء، وفي النصيحةِ للمسلمين لتحذيرهم من شرٍّ ما، وفي إظهار المجاهِرِ بفسقٍ أو بِدعةٍ فيما يجاهِر به لا بِغيره، وفي التعريفِ بمن لا يُعرَف إلا بوصفٍ يتميَّز به عن غيره لا على جِهَة التنقّص، وما أمكن البعدُ عن الغيبة في هذه المواضع فهذا هو الأولى إذا تحقَّق المقصود بالتّعريض والتلميح.
ألا فتوبوا إلى الله، واحذروا هذا الجرمَ الكبير، وعلى المغتابِ التوبةُ إلى الله جلّ وعلا والتحلّلُ ممّن اغتابه والدعاءُ له وذِكر محاسنه وفضائله في المواضعِ والأماكن التي كان يَغتاب فيها.
ثمّ إنَّ الله جلّ وعلا أمرنا بأمر عظيم، ألا وهو الصلاة والسلام على النبيِّ الكريم.
اللّهمّ صلّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك نبيّنا محمّد، وارض اللّهمّ عن الخلفاء الراشدين والأئمة المهديّين...












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 02:00 PM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(15)
الدواعي على الطاعة

الخطبة الأولى
أمّا بعد: فاتَّقوا الله بلزومِ ذِكره وشكرِه والقيامِ بعبادتِه ومجانبةِ معصيَتِه، فتقوى الله خيرُ ما اكتسَبتم وأعظَمُ ما ادَّخرتم.
عبادَ الله، إنَّ حقَّ الله عليكم عظيم، وإنَّ أمرَه كبير؛ لما أسدَى إلى الخلق من سَوابغِ النِّعَم، ولما دفَع عنهم من النِّقَم، ولما علّمكم من الكتابِ والسنة، ولما أعانكم عليه من الطّاعات، ولما حفِظَكم من المحرَّمات، قال الله تعالى: وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان:12]، وقالَ تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7، 8]. وأحبُّ الشكرِ إلى الله ما كان شُكرًا علَى الطاعاتِ والمعافاةِ من المحرَّمات.
أيها المسلمون، ما أحسنَ فعلَ الطاعة بعد الطاعة، وما أقبَحَ فِعلَ المعصية بعد الطاعة، فالعمل الصالح بعد العملِ الصالح زيادةُ ثوابِ الله، والعمل السيّئ بعد الطاعة قد يبطل العملَ أو ينقص ثوابَه، فكما أنَّ الحسنات يذهِبن السيئات كذلك السيئاتُ قد يبطِلنَ الحسنات أو ينقِصنَ أجورَها، قال الله تعالى: وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114]، وعن معاذٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((اتَّقِ اللهَ حيثما كنتَ، وأتبِعِ السيئةَ الحسنَةَ تمحُها، وخالِقِ الناس بخلُق حسن))، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33].
يا من زكَّيتم أبدانَكم بالصّيام والقيامِ وطهَّرتم أموالهم بالزكاةِ والإحسان، يا من عكَفتُم على تلاوةِ القرآن، يا مَن صفَت له ساعاتُ رمضان في طاعةِ الرحمن، داوِموا على الطاعةِ وهَجر المعصية تفوزُوا منَ الله بالرضوانِ وتنجُوا من الخسرانِ، قال الله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، يعني: اعبدِ الله حتى يأتيَك الموت، قال الحسن البصريّ رحمه الله: "ليس لعبادةِ المؤمنِ أجلٌ دونَ الموت"، وقيل لبشرٍ الحافي رحمه الله: إنَّ قومًا يجتَهدون في رمضان، فإذا ذهب رمضانُ تركوا، قال: "بِئس القومُ لا يعرِفون الله إلا في رمضان".
أيّها الناس، إنَّ ربَّكم الذي عبَدتم في رمضانَ هو الربّ العظيم الحقّ الذي هو أحقُّ أن يُعبَدَ في كلِّ زمان ومكان، فعِزُّك ـ يا ابنَ آدم ـ وفوزُك ونجاتُك من كلِّ شرٍّ هو في الذّلّ والخضوعِ لله والحبِّ له ودوام العبوديّةِ لله عزّ وجلّ، قال الله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112]، وعن سفيانَ بنِ عبد الله رضي الله عنه قال: قلت: يا رسولَ الله، قل لي في الإسلامِ قولاً لا أسأَل عنه أحدًا غيرك، قال: ((قل: آمنتُ بالله، ثم استقم)) رواه مسلم، والاستقامة هي دوامُ الطّاعة لله ربِّ العالمين.
بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفَعني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذّكر الحكيم، ونفَعَنا بهديِ سيّد المرسلين وبقولِه القويم، أقول قولي هذَا، وأستغفِر الله العظيمَ الجليلَ لي ولَكم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنب، فاستَغفِروه إنّه هو الغفور الرحيم.

-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله ربِّ العالمين، الرّحمنِ الرّحيم، مالكِ يومِ الدّين، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له القويّ المتين، وأشهد أنَّ نبيَّنا وسيّدنا محمّدًا عبده ورسوله الصادق الوَعدِ الأمين، اللّهمّ صلّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولِك محمّد وعلى آله وصحبِه أجمعين.
أمّا بعد: فاتقوا الله ـ أيّها المسلمون ـ حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعروةِ الوثقى، فإنَّ تقوَى الله خير زادٍ ليومِ المعاد.
واعلَموا ـ عبادّ الله ـ أنَّ عدوَّكم إبليس وذرّيّته أنهم يرصدونكم في كلِّ طريق خيرٍ كما قال الله تبارك وتعالى عن هذا العدوِّ، قال الله تبارك وتعالى: فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:16، 17]، فالعابدون الطّائعون المديمون للطّاعاتِ هم الشّاكرون لله تبارك وتعالى، والتارِكونَ لعبادةِ اللهِ هم الكافِرون لنعمةِ الله عزّ وجلّ.
واللهُ تبارك وتعالى قد حذَّرنا من هذا العدوِّ فقال تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:5، 6]، وهو لا يدخُل على الإنسانِ إلاّ مِن قِبَل نفسِه وهواه، فاحذروا النفسَ الأمّارة بالسّوء يا عبادَ الله، واحذَروا أن تتَّبِعوا أهواءَكم، وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50]، فأدُّوا حقَّ ربّكم عليكم، وداوِموا على طاعتِه، وفي الحديثِ عن النبيِّ : ((إنَّ الشيطانَ قعَد لابن آدمَ بكلِّ أطرُقه))، فما من طريقِ خيرٍ إلاّ وقد قعَد لَه فيها؛ يريد أن يصدَّه عن ذلك.
عبادَ الله، وإنَّ أعظمَ النّعم وأجلَّها الطاعةُ بعد الطاعة، وإنَّ الله تبارك وتعالى قد فرضَ عليكم طاعات، وفتح أبوابَ الخيرات، وحثَّكم على عمَل الخير، وحذَّركم من أعمالِ السيِّئات. وإنَّ مما شرعَه رسول الله الصيامَ بعد رمضان، صيامَ ستٍّ من شوّال، وقد قال : ((مَن صامَ ستًّا من شوّال فكأنما صامَ الدهرَ كلَّه))؛ لأنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالها، فرمضانُ بعشرةِ أشهر، وستّة من شوّال بصيامِ شهرين.
عباد الله، إن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال عزّ من قائل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقد قال : ((من صلّى عليَّ صلاةً واحِدة صلّى الله عليه بها عشرًا)).
فصلُّوا وسلِّموا على سيّدِ الأوّلين والآخِرين وإمامِ المرسَلين.
اللّهمّ صلِّ على محمّد وعلى آلِ محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارِك على محمّد وعلى آل محمّد كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرا...












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 02:05 PM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(16)
فضل التوبة

الخطبة الأولى
أمّا بعد: فاتَّقوا الله أيّهَا المسلِمون، فإنَّ تقواه فَوزٌ وفلاحٌ وسَعادة ونجَاح.
واعلَموا ـ عبادَ الله ـ أنَّ عزَّ العَبدِ في كَمالِ الذّلِّ والمحبّة للرّبِّ جلّ وعلا، وأنَّ هَوان العبد وصَغارَه في الاستكبارِ والتَّمرّدِ على الله والخروجِ علَى أمرِه ونهيِه، بمحبَّةِ ما يَكرهُه الله وبُغضِ ما يحبّه الله تعالى، قال الله عز وجلّ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ [فاطر:10]، وقال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].
والعِبادَة بجمِيعِ شُعَبها وأنواعِها هي التي يتحَقَّق بها الذّلُّ والخضوع والمحبَّة لله تعالى.
ومِن أَعظمِ أنواعِ العِبادةِ التوبةُ إلى الله عز وجلّ، بل إنَّ التوبةَ العظمَى هِي أفضلُ العِبادةِ وأوجبُها، وهي التوبةُ من الكفرِ والنّفَاق، قال الله تَعالى عن هودٍ عليه الصلاة والسلام: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ [هود:52]، وقالَ تعالى دَاعيًا المنافقين إلى التّوبةِ: فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [التوبة:74].
والتّوبةُ واجِبةٌ علَى المكلَّفين جميعًا من كلِّ ذَنبٍ صَغير أو كبير، قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، وقالَ عز وجلّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8].
ومَعنى التّوبةِ الرّجوعُ إلى اللهِ بتَركِ الذّنب الكبير أو الصَّغير، والتوبةُ إلى الله مما يَعلَم منَ الذنوب ومما لا يَعلَم، والتّوبةُ إلى الله منَ التّقصير في شكرِ نِعَم الله على العَبد، والتوبةُ إلى الله ممَّا يتخلَّل حياةَ المسلِم من الغَفلَةِ عن ذكرِ الله تعالى، عن الأغرِّ المزني رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله : ((يا أيّها النّاس، توبوا إلى الله واستَغفِروه، فإنّي أتوب في اليومِ مائةَ مرّة)) رواه مسلم.
قال أهل العلم: "للتَّوبةِ النَّصوحِ ثلاثةُ شروط إن كانت بين العبدِ وربِّه، أحدُها أن يقلِعَ عن المعصيةِ، والثّاني أن يندَمَ على فِعلِها، والثالث أن يعزِمَ أن لا يعودَ إليها أبَدًا، وإن كانت المعصيَةُ تتعلَّق بحَقِّ آدميٍّ فلا بدَّ أن يردَّ المالَ ونحوَه ويستحلّه من الغِيبةِ، وإذا عفَا الآدميّ عن حقِّه فأجرُه على الله عز وجلّ".
واللهُ قد رغَّب في التوبةِ، وحثَّ عليها، ووعَد بقَبولها بِشروطِها، قال الله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، وأخبَر النبيّ بأنَّ جمِيعَ ساعاتِ اللّيل والنّهارِ وقتٌ لتَوبةِ التائبين وزمَنٌ لِرجوع الأوّابين، عن أبي موسَى الأشعريّ رضي الله عنه عن النّبيِّ قال: ((إنَّ اللهَ تعالى يَبسُط يدَه بالليل ليتوبَ مُسيءُ النهار ويَبسُط يدَه بالنّهار ليتوبَ مسيءُ الليل حتى تطلعَ الشّمس مِن مغرِبها)) رواه مسلم.
مَا أعظمَ كَرمَ الرّحمنِ، وما أجَلَّ فَضلَه وجودَه على العِبادِ، هؤلاءِ خَلقُه يعصونَ باللّيل والنّهار، ويحلمُ عليهم، ولا يعاجِلهم بالعقوبة، بل يرزُقهم ويعَافِيهم، ويغدِق عليهم النّعَم المتظاهِرَة، ويدعوهم إلى التّوبَة والنّدَم على ما فرَط منهم، ويعِدُهم المغفِرةَ والثّواب على ذلك، ويفرَح بتوبةِ العبدِ إذا تاب أشدَّ الفرح، فإن استجاب العبدُ لربِّه وتابَ وأناب وجَدَ وعدَ الله حَقًّا، ففازَ بالحياةِ الطيّبَة في الدّنيا وحسنِ الثوابِ في الآخرة، وإن ضيَّع التوبةَ زمنَ الإمهال وغرَّته الشهواتُ والآمال عاقَبَه الله بما كسَبَت يدَاه، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، ولا خيرَ فيمن هلَك مع رَحمةِ أرحمِ الراحمين.
أيّها المسلِم، هل لَك أن تعلَمَ بعضَ الحِكَم لمحبّةِ الله لِتوبةِ عَبده وفرَحِه بها أشدَّ الفرَح؟! نعَم، مِنَ الحِكَم العظيمةِ لمحبّة الله لتوبةِ التائِبين أنَّ أسماءَ الله الحسنَى تتضمَّن صِفاتِه العلا، وتَدلّ على هذه الصّفات العظمَى، وهذه الأسماءُ تقتضِي ظهورَ آثارِها في الكَون، فاسمُ الله الرَّحمنُ الرّحيم يَدلّ على اتِّصافِ الله عز وجلّ بالرّحمة كما يَليق بجَلالِه، ويقتضِي أن يوجَدَ مخلوق مرحوم، واسمُ الله الخالقُ يَدلّ على اتِّصاف الله تعالى بالقدرَةِ على الإيجادِ والخَلق، ويقتضي إيجادَ اللهِ للمخلوقاتِ منَ العَدَم، واسمُ الله الرزاقُ يدلّ على اتِّصاف الله تعالى بإمدَادِ الخَلق بالرّزق، وكذلك يقتضِي أنه القائم بالرزق، ويقتضي وجودَ مَرزوق مخلوقٍ، وكذلك اسمُ الله عز وجل التوّابُ يدلّ على اتِّصاف الله تعالى بقَبول التوبةِ مهما تكرَّرت، ويقتضِي إيجادَ مذنِبٍ يتوب من ذنبِه فيتوب الله عليه، وبقيّةُ أسماءِ الله الحسنى علَى هذا النّحوِ، كلّها يَدلّ على ذَاتِ الله العَظيم، ويدلُّ على صِفةِ الله العُظمى التي يتضَمَّنها ذلك الاسم، ويقتضِي كلُّ اسمٍ مِن أسماءِ الله الحسنى ظهورَ آثارِه في هذا الكَون، قال الله تعالى: فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الروم:50].
وَالمقصودُ أنَّ قَبولَ تَوبةِ المذنِب مُقتضَى اسمِ اللهِ التوّاب، وثَوابُ التّائب أثرٌ من آثارِ هذا القَبول، والله عز وجلّ أرحَم الراحمين، قالَ الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25].
ومِنَ الحِكَم لمحبّةِ الله لتوبَة التائِبين أنَّ الله تعالى هو المحسِن لذاته وذو المعروف الذي لا ينقطع أبَدًا، فمن أطاع الله بالتّوبة أحسن إليه وأثَابه في الدّنيا والآخرة، ومن ضيَّع التوبةَ أحسن إليه ومتّعه في الدنيا وعاقبه في الآخرة بسوء عمَله، وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: 46].
ومِن الحِكَم لمحبّةِ الله تعالى لتَوبةِ عبدِه عفوُه عز وجل وشمول رحمتِه للعصاةِ مع قدرتِه على العقاب، وفي الحديث: ((إن الله كتَب كتابًا عنده فوق العرش: إنَّ رحمتي سبَقت غضبي))، إلى غير ذَلك من الحِكَم التي لم نطَّلع إلاّ على القليلِ مِنها.
وتصحُّ التّوبَة من بَعض الذنوبِ، ويبقَى الذنبُ الذي لم يَتُب منه مؤاخَذًا بِه، والتّوبةُ بابُها مفتوحٌ لا يغلَق ولا يُحَال بين العَبدِ وبينها حتى تطلعَ الشمس مِن المغرِب، فعندَ ذلك إذا طلعَتِ الشّمس من مغربها يغلَق بَابُ التوبة ولا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنَت من قبلُ، عن زِرّ بن حُبيش عن صفوانَ بن عسّال رضي الله عنه قال: سمعت رسولَ الله يقول: ((إن الله فتح بابًا قِبَل المَغرِب، عَرضُه سَبعون عَامًا للتّوبة ـ جعله للتوبة ـ، لا يغلَق حتى تطلعَ الشمسُ مِنه)) رواه الترمذيّ وصحَّحه والنسائي وابن ماجه.
وقد وَعَد الله على التّوبةِ أعظمَ الثّواب وحُسن المآب، فقال تعالى: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:112]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8]، وقال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70]، قال بعض المفسرّين: "يجعَل مكانَ السيّئةِ التوبة، فيعطِيهِم علَى كلِّ سيّئة عمِلوها حسنةً بالنّدَم والعَزم على عَدَم العودةِ".
وعن أنس رضي الله قال: قال رسولُ الله : ((للهُ أشدُّ فرحًا بتوبةِ عَبده حين يتوب إليه مِن أحدِكم كان على راحِلته بأرضِ فَلاة، فانفَلتت منه وعليها طَعامه وشرابُه، فأيِس منها، فأتى شَجرةً فاضطَجع في ظلِّها وقَد أيِس من راحِلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمةٌ عندَه، فأخذ بخِطامها ثم قال من شدّةِ الفرح: اللهم أنت عبدِي وأنا ربُّك، أخطَأ مِن شدّةِ الفَرح)) رواه مسلم.
وأَسعدُ الساعاتِ والأيّام على ابنِ آدم اليَومُ الذي يتوبُ الله فيه عَليه؛ لأنّه بدونِ توبةٍ كالميِّت الذي لا حياة فيه، وبالتوبة يكون حيًّا، عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال لما أنزل الله توبتَه في تخلُّفه عن غزوة تبوك: وانطلقتُ أتمَّمُ رسولَ الله يتلقّاني الناسُ فوجًا فَوجًا، يهنّئونَني بالتوبةِ ويقولون لي: لتَهنِك توبةُ الله عليك، فسلَّمتُ على رَسول الله وأسَاريرُ وجهِه تَبرُق، وكانَ إذَا سُرَّ استَنارَ وَجهُه كأنه فِلقَةُ قمَر، فقال: ((أبشِر بخيرِ يومٍ مرَّ عليك منذ وَلدَتك أمّك)) رواه البخاري ومسلم.
والتّوبةُ عبادةٌ عالِية المقَام، قام بها الأَنبياءُ والمرسَلون والمقرَّبون والصّالحونَ، وتمسَّكوا بعُروتها، واتَّصفوا بحقيقتِها، قال الله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:117]، وقال تعالى عن الخليلِ إبراهيم وإسماعيل عليهِما الصلاة والسلام: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:128]، وقال عن موسى عليه الصلاةُ والسلام: فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف:143].
والمسلِمُ مضطَرّ إلى التوبة ومحتَاجٌ إليها في حَالِ استقامتِه أو في حالِ تقصيره، يحتاج إلى التّوبةِ بعد القُرُبات وبعدَ فعل الطاعات، أو بَعد مقارَفَةِ بعضِ المحرّمات.
يا أمَّةَ الإسلامِ، أذكِّركم جميعًا بالتّوبةِ بالتمسُّك بالكتابِ والسنة والبُعدِ عن البِدَع والخرافاتِ والمحدَثات في الدِّين وكبائرِ الذّنوب؛ ليحفظَكم ربكم مِن شرورِ أعداءِ الإسلام ومكرِهم وكَيدِهم وليقِيَكم عقوباتِ الذّنوب، فإنَّ أعداءَ الإسلام لن يَنالوا مِن المسلِمين إلاّ بغِياب التّوبةِ النصوح عن الأمّةِ، ولم تتفرَّق الأمّةُ الإسلاميَّة إلاّ باختلافِ مشارِبها وأفهامِها، فاجعَلوا مشربَكم من معينِ كتاب الله وسنّةِ رسولِه ، واجعَلوا أَفهامَكم وتفسيرَكم للقرآن والسنة تبَعًا لفَهم الصحابةِ والتابعين ومن تَبِعهم بإحسانٍ؛ يُصلِح لكم أعمالكم ويصلح لكم دنياكم وأُخراكم.
قال الله تعالى: وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود:3].
بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، ونفعنا بهديِ سيّد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلِّ ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله العزيزِ الغفورِ، الحليم الشكور، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، أحمدُ ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفِره، وأشهَد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شَريك له إليه المصير، وأشهد أن نبيَّنا وسيّدنا محمدًا عبده ورسوله سابقُ الخَلق إلى كلِّ عملٍ صَالح مَبرور، اللّهمّ صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولِك محمّد وعلى آله وصحبِه أجمعين.
أمّا بعد: فاتَّقوا الله عبادَ الله؛ تفوزوا بمرضاتِه وجنّتِه، وتنجُوا من سخَطِه وعقوبته، يقول الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ [القصص:67]، وفي الحديث عن النبيِّ : ((يقبَل الله توبَةَ أحدِكم ما لم يغرغِر)).
فسارِع ـ أيّها المسلم ـ إلى التوبَةِ مِن كلّ ذنب، السّرُّ بالسِّرّ والعلانية بالعلانية، وداوم عليهَا بعد القرُبَات أو الإلمام بشيءٍ من المحرَّمات، قال الله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنْ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:54-58].
وإيّاك وأمانيَّ الشيطانِ وغرورَ الدّنيا وشهواتِ النَّفس والطّمَعَ في فُسحةِ الأجَل، فتقول: سَأتوب قَبلَ الموت، وهل يأتي المَوت إلاّ بغتةً؟! وبعضُ الناس حِيل بينَهم وبين التّوبةِ ـ والعياذ بالله ـ لعَدَم الاستعدادِ للموتِ وغَلَبة الهوى وطولِ الأمل، فأتاهم ما يوعَدون وهم علَى أسوَأ حال، فانتقَلوا إلى شرِّ مآل. ومِنَ النّاس مَن وُفِّق للتّوبة النّصوحِ بعد أن أسرَفوا على أنفسِهم أو قَصَّروا في حقِّ الله أو حقوقِ العباد، فصاروا من الصالحين والصّالحاتِ بالتوبة، ذِكرُ سِيرتِهم توقِظُ القلوبَ الغافلة، ويقتدِي بها السائرون على الصِّراط المستقيم والآمُّونَ النّهجَ القويم.
عبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقد قال : ((من صلّى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرًا)).
فصلُّوا وسلِّموا على سيّدِ الأوّلين والآخِرين وإمامِ المرسلين.
اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرا...












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 02:11 PM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(17)
الخشوع وأثره في الصلاة

الخطبة الأولى
أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، وقال تعالى: وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].
الحديث عن الصلاة يحتاج إلى تذكير وتكرار، لا يمل سماعه الأبرار، ولا تشبع منه قلوب الأخيار.
الصلاة من أعظم الفرائض أثرًا وأفظعها عند الترك خطرًا، وأجلها بيانًا وخيرًا؛ فيها أكرم قول يردده لسان، مع أكرم حركة يؤديها المسلم، هي عمود الدين ومفتاح جنة رب العالمين، عُرِج برسول الله وفتحت له أبواب السماء، فأخذ يتجاوزها مكانًا ومكانة، عُرِج به بمقامٍ يسمع فيه صريف الأقلام، فكان قاب قوسين أو أدنى، ثم نزل عليه الأمر من ربه تبارك وتعالى بالصلاة، وحين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه وقد أَتى عليه الأجل، عَلمَ أنه يودع الدنيا إلى لقاء ربه، فكانت الصلاة خاتمة وصيته، بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام، فأصبح يقول: ((الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ وما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)) رواه أحمد.
من حافظ عليها فقد تَوثَّقَ من عُرَى دينه وأخذ بأصله، ومن ضيّعها فقد ضيّع دينه من أصله، الصلاة دواء يشفي من أمراض القلوب وأدوائها، وفساد النفوس وأسقامها، النور المزيل لظلمات الذنوب والمعاصي، يتطهّر بها المسلم من غَفَلات قلبه، وهفوات نفسه، كما قال المصطفى : ((أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يَبْقَى من دَرَنِهِ شيء؟))، قالوا: لا يَبْقَى من دَرَنِهِ شيء. قال: ((فذلك مَثَلُ الصلوات الخمس؛ يَمْحُو الله بهن الخطايا)) رواه مسلم. وكما ورد في حديث فضائل الوضوء وفيه أن رسول الله قال: ((فإن قام فصلى فحمد الله وأثنى عليه وَمَجَّدَهُ بالذي هو له أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قلبه لله إلا انصرف من خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يوم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)) رواه مسلم.
إن عبادة هذه نتائجها، وعملاً هذا شأنه لجدير بأن يسعى لتحقيقه والعناية به، وأن نجعله نُصْبَ أعيننا وحديث نفوسنا، الله أكبر حي على الصلاة حي على الفلاح، نداء يصدح في الأرجاء، وأذانٌ يخترق الآذان، ليوقض أجسادًا مشرقة بالإيمان، وقلوبًا مخبتة، فإذا بالوفود تتقاطر، والجموع تصطف ولا تتناثر، لها هدير كالبحر في تلاطمه، وعرش النحل في تلاحمه، وترى المسجد وقد غَصَّ بالناس فاتّصلوا وتلاحموا، تجد الصف منهم على استوائه، كما تجد السطر في الكتاب ممدودًا محتبكًا منتظمًا، وتراهم تتابعوا صفًا وراء صف، ونسقًا على نسق، فالمسجد بهم كالسنبلة ملئت حبًا ما بين أولها وآخرها، فليس فيهن على الكثرة حبة واحدة تهبها السنبلة فضل تميز لا في الأعلى ولا في الأدنى.
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1، 2]. بالخشوع ـ عباد الله ـ يجمع المصلي في صلاته بين طهارة الظاهر والباطن، إذ كان يقول في ركوعه في الصلاة: ((خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي)) رواه مسلم، وفي رواية عند أحمد: ((وما استقلت به قدمي)) .
بالخشوع تغفر الذنوب وتكفر السيئات، وتكتب الصلاة في ميزان الحسنات، كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله قال: ((ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأت كبيرة وذلك الدهر كله)) رواه مسلم.
الصلاة إذا زينها الخشوع وترسخ في أقوالها وأفعالها الذُّلُ والانكسار، والتعظيم والمحبة والوقار، نهت صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فيستنير قلبه ويتطهر فؤاده ويزداد إيمانه، وتقوى رغبته في الخير وتنعدم في الشر. بالخشوع يزداد إقبال المصلي على ربه، فيكون اقتراب ربه منه، فقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي رحمهم الله تعالى، أن رسول الله قال: ((لا يزال الله عزّ وجلّ مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه)) .
الخشوع أمرٌ عظيم شأنه، سريع فقده، نادرًا وجوده خصوصًا في زماننا وحاضرنا، وحرمان الخشوع من أكبر المصائب، والعلل وخطبٌ جَلل، كان يستعيذ منه المصطفى ، ويقول في دعائه: ((اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع)) رواه الترمذي.
وما أصاب بعض المسلمين من ضعف في أخلاقهم، وانحراف في سلوكهم، إلا لأن الصلاة غدت جثة من غير روح وحركات مجرّدة، أخرج الطبراني وغيره أن رسول الله قال: ((أول ما يُرفع من هذه الأمة الخشوع، حتى لا ترى فيها خاشعًا)). وقال الصحابي الجليل حذيفة : (أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورب مصلي لا خير فيه، ويوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيهم خاشعًا).
حين نتجوّل في سير الأوائل نرى أن أمثالهم قليل، فإن في أخبار صلاتهم عِبَرًا، ودموعهم تنهلّ على وجوههم صِدْقًا. ذكروا من خبر الحبيب المصطفى أنه كان يباسطهم ويمازحهم، فإذا حانت الصلاة كأنه لم يعرفهم ولم يعرفوه.
الصلاة أُنس المسلم وسلواه، غاية مراده ومناه، يقول لبلال: ((أرحنا بها)) ويقول أيضًا: ((جُعِلت قُرّة عيني في الصلاة)) أخرجه النسائي وأحمد. قُرّة عينه ونعيم روحه وجنة قلبه ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها، يخلع على أعتاب المسجد الدنيا ومباهجها، ويترك هناك أموالها وشواغلها، يطوي صحيفة ذكرها من قلبه، يدخل المسجد بقلب أخذته الرهبة إجلالاً لله ورغبة في ثوابه سبحانه، الصديق أبو بكر إذا كان في صلاته كأنه وَتَد، وإذا جهر بالقراءة خنقته عبرة من البكاء.
والفاروق عمر بن الخطاب كان إذا قرأ لم يسمع مَن خلفه مِن البكاء، وعمر بن عبد العزيز رحمه الله إذا قامت الصلاة كأنه عود من خشب، وعلى بن أبي طالب إذا حان وقت الصلاة يضطرب ويتغير، فلما سئل قال: (لقد آن أوان أمانة عرضها الله على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها).
ومن الناس من يصلون بأجسامهم وأعضائهم، يحركون ألسنتهم وأفواههم بالكلم، يحنون ظهورهم راكعين، يهوون إلى الأرض ساجدين، لكن قلوبهم لم تتحرك نحو بارئها الأعلى، يظهرون له الخضوع وقلوبهم نافرة، يقرؤون القرآن لكنهم لا يتدبرونه، يسبحون لكنهم لا يفقهونه، زيّنوا ظواهرهم وغفلوا عن بواطنهم، وقفوا أمام الله وفي بيته وهم في الحقيقة واقفون أمام مشاغلهم، مقيمون بأرواحهم في مساكنهم، فترى الرجل قد شاب عارضاه في الإسلام، وصلّى زمانًا طويلاً لكنه لم يكمل صلاته يومًا؛ لأنه لا يتم ركوعها وسجودها وخشوعها، من كان هذا حاله لا ينتفع بالصلاة، لذا قد يأكل أموال الناس بالباطل، يسعى بالفساد بين الناس، يقوم بأعمال تتنافى مع الدين والأخلاق، بل ربما أخذ الصلاة أحبولة يتصيد بها ثناء الناس عليه، ويستر به جناية يديه ورجليه.
إخوة الإسلام، هذا الحديث للمحاسبة، فقف مع نفسك وقفة صادقة، ليرى كل منا موقعه، قال : ((إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عُشر صلاته، تُسعها، ثُمنها، سُبعها، سُدسها، خُمسها، رُبعها، ثُلثها، نصفها)) رواه أبو داود. قال حسن بن عطية رحمه الله: "إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما من فضل كما بين السماء والأرض". إذ ليس حظ القلب العامر بمحبة الله وخشيته وتعظيمه من الصلاة، كحظ القلب الخالي من ذلك، وليس حظ القلب المخبت الخاشع كحظ القلب الذي ملذات الدنيا وشهواتها خاضع، ليس حظ القلب الذي يرتع في رياض القرآن كحظ القلب الذي تملكه الشيطان.
أيها المصلي، إنها معركة حامية الوَطِيس مع الشيطان، معركة الوساوس والصوارف والخطرات؛ لأنك قمت أعظم مقام وأقربه وأغيظه للشيطان، يزين أمام ناظريك الملذات، يعرض مشاهد ومغريات، يذكرك ما نسيت فيستطير فرحًا حين تلف صلاتك كما يلف الثوب الخَلَقَ لا أجر ولا فضل.
أيها المصلي، من جرى على منهاج النبي ، وسلك طريقته في الصلاة تحقق له الخشوع، ومما يعين على الخشوع ويحقق الخضوع أمور، أن يخرج المصلي إلى المسجد مبكرًا بسكينة ووقار، قد نظف ثيابه وطهر بدنه وفَرَّغَ قلبه من الشواغل، طيب رائحته، وأن يعمل على تسوية الصفوف وسُدّ الفُرَجِ، رَفْعُ البصر إلى السماء نُهي عنه المؤمن ويُخِلُّ بالخشوع.
ترك الالتفات في الصلاة ببصره أو قلبه، وهذا خَلَف بن أيوب سُئل: ألا يؤذيك الذباب في صلاتك؟ قال: لا أعوّد نفسي شيئًا يفسد علي صلاتي، قيل له: وكيف تصبر على ذلك؟ قال: بلغني أن الفساق يصبرون تحت أسواط السلطان، فيقال فلان صبور ويفتخرون بذلك، فأنا قائم بين يدي ربي، أفأتحرك لذبابة؟! وبعضنا يملأ صلاته حركة بدون ذبابة، فكيف إذا تراءت أمام ناظريه الذبابة؟!.
ومن الأمور: عدم التهويش في القرآن على الآخرين، وأن لا يصلي في ثوب أو قميص فيه نقوش أو كتابات أو ألوان وتصاوير، تشغله وتشغل غيره، وكذا الأصوات المنبعثة من أجهزة الهواتف النقالة، التي آذت المسلمين في مساجدهم وصلواتهم، أفسدت عليهم خشوعهم، ناهيك عما تحمله من نغمات محرمة يتردد صداها في بيوت الله ومع كلام الله تبارك وتعالى. نسأل الله السلامة والعافية.
عن أبي قتادة ، قال: قال رسول الله : ((أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته))، قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟ قال: ((لا يُتِمّ ركوعها ولا سجودها))، أو قال: ((لا يقيم صُلْبه في الركوع والسجود)) رواه أحمد.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه.
أما بعد: فاتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى.
من أعظم الدواعي لحضور القلب وخشوعه، تدبر الألفاظ والمعاني، فكلما قال المصلي: الله أكبر تأمل عمق هذا المفهوم وجلال المدلول. الله أكبر من الشيطان يُغرره بالدنيا، الله أكبر من الشهوات والمال والجاه والولد، فإذا استقر في قلبه معنى هذه الكلمة وأتى بمقتضاها، اطرح خلف ظهره كل ما عداها.
ومن دواعي حضور القلب: تأمّل الجزاء العظيم في كل فاتحة تقرأها وركعة تركعها، تأمل الأجور الجزيلة، ومنها: إذا قرئ الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين قالت الملائكة: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه. وأجور جزيلة أخرى، وفضائل كبرى في القيام والقعود، وأذكار الركوع والسجود، فمن تأملها أيقن برحمة الإله المعبود.
ومما يجلب الخشوع: وصية الرسول الخالدة: ((صَلِّ صلاة مَوَدِّع)).
والمتأمل في هذه الأيام وما تؤول إليه الأحوال، وفي مصائر الناس يعلم جلال هذه الوصية، ((صَلِّ صلاة مَوَدِّع))، دواءٌ ناجع لمن يرون القلب الخاشع، فإذا شرع العبد في صلاته وكأنها آخر عهده بالدنيا، أحسن خشوعها أتم سجودها وركوعها؛ لأن لحظة الرحيل بين يديه، وكأن هادم اللذات مقبل عليه، فلا يلتفت بصره، ولا يشغل قلبه بغير الله، ولا يذهل لبه، ولو رأيت منصور بن معمر التابعي الجليل، لو رأيته يصلي لقلت يموت الساعة، كما قال سفيان الثوري.
ثم إن عثمان بن العاص أتى النبي فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبّسها علي، فقال رسول الله : ((ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثًا)) فقال: ففعلت فأذهبه الله عني. رواه مسلم.
ألا وصلوا ـ عباد الله ـ على رسول الهدى فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين...












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 02:15 PM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(18)
التذكير بنعم الله تعالى

الخطبة الأولى
أما بعد: فاتَّقوا الله عبادَ الله، اتقوا الله تعالى وخافوا يومَ لقائِه؛ فإنه قائم على كلّ نفس بما كسَبَت.
عبادَ الله، إنَّ لله على عباده نِعمًا لا تحصَى وخيراتٍ لا تستقصَى، تفضَّل الله بهذه الخيرات والنِّعَم على خَلقِه، ووَعَد عبادَه الزيادةَ إن هم شكَروه، وضمِن لهم بقاءها واستمرارَها إن هم أطاعوه، فقال تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].
وهباتُ الله تعالى وعطاياه ظاهرةٌ وباطنة، جليّة وخفيّة، معلومة ومجهولَة، كما قال عزّ وجلّ: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً [لقمان:20].
ونِعمةُ الله على ابنِ آدم في حُسنِ خَلقِه وتناسُب أعضائِه وشرَف هيئتِه، قال الله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين:4]. ونعمةُ الله على عبادِه في تعليمِهم الحلالَ والحرام، والخيرَ من الشرّ، والهُدى من الضلال، والتفضُّل عليهم بالسمعِ والبصَر والعقل، قال الله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78]. ونِعَم الله على عبادِه في المأكَل بإخراجِ أصناف النّباتِ الناحِل الضعيفِ مِن باطن الأرضِ الصّلبة، وحِفظِه من الآفات، وإمدادِه بأسباب الحياة من الضّوء والماء والهواء وغير ذلك؛ حتّى يعطيَ ثمرَه حبًّا مأكولاً أو فاكهَةً نضيجَة أو بقولاً طريّة نافعة، قال الله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ [يس:33-35]، فالحمدُ لله على فضله، والشّكرُ له على جزيلِ منّته أبدًا، وقال تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [المؤمنون:21].
ونِعَم الله على خلقه في شرابِهم بإنزالِه الماءَ عذبًا فُراتًا على قطَراتٍ بقَدر حاجة العباد حتَّى لا يضرَّهم في معاشهم، ثم حفظه في طبَقَة الأرض القريبَة ليستخرِجوه وينتفِعوا به وقتَ الحاجَة، قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ [الواقعة:68-70]، ويقول تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [المؤمنون:18، 19].
ونِعَم الله على عبادِه في الملابِسِ بما أخرجَه الله للنّاس من أصنافِ اللّباس واختلافِ ألوانِه وتعدُّد منسوجَاتِه من ليِّنٍ رقيق وغليظٍ كثيف وما بين ذلك، يستر به الإنسانُ عورتَه، ويتجمَّل به بين الناسِ، ويدفع به الحرَّ والبرد عن نفسِه، قال الله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26]، ويقول تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النحل:81]، والسّرابِيل هي الألبِسَة والثيابُ التي تقِي من الحرِّ والبرد، والسّرابيل التي تقي من البأسِ هي الدروعُ من الحديد ونحوه، وفي الحديث القدسيّ عن الربِّ تبارك وتعالى أنه قال: ((يا عبادي، كلّكم عارٍ إلا من كسَوتُه، فاستكسوني أكسُكم)).
ونِعمةُ الله على عبادِه في المساكن التي يأوُون إليها، ويطمئِنّون فيها، وتستُرهم عن الأعين، وتضُمّ أموالهم، وتُريح أبدانَهم من العَناء، وتدفع عنهم عادِيات المنَاخ من الحرِّ والبرد والمطَر، فيشعُر الإنسان بالسّكون والأنس والاستقرارِ النفسيِّ والهدوء العصبيِّ والسعادة القلبيةِ والأمنِ على نفسه وأهلهِ وماله، وقد رحِم الله هذا الإنسانَ فلم يجعله مشرَّدًا بلا مأوى، ولم يجعله تائِهًا بلا مَسكَن، قال الله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [النحل:80].
وإذا كانَتِ البيوت من جلودِ الأنعام نعمةً عظمى ومنَّة كبرى فإنَّ أعظمَ منها نِعمة القصورُ الشاهِقة والبيوت الأنيقة والأبنيَة الفَخمة التي أخرَجَها الله في هذا الزّمانِ، ويسَّر لها ما يرتَفِق به الناسُ، وجمَع الله في هذه البيوتِ الماءَ البارد والدافئ والنورَ التّام والاتصالَ السريع والأثاثَ الثّمين والتّكييفَ النافع، فلا يخشَى صاحبُها أن يخرَّ عليه السقفُ من المطر، ولا يخاف أن تزعزِعَه العواصف، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34].
ونعمةُ الله على عباده بالأهلِ والوَلد بأن جعلَ الزوجَ من نفسه وجِنسه، لا من جنسٍ آخر، وذلك ليتمَّ المقصود من التآلُف والتعاوُن والتفاهُم، ورزق من يَشاء الولَدَ امتدادًا لحياةِ الوالدين ونفعًا لهما في الحياةِ وبَعد الممات، يقول الله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ [النحل:72].
ونِعمةُ الله على عبادِه في المراكِبِ الفارِهة التي تحمِل الأثقالَ مِن بلدٍ إلى بلَد، وتنقل الإنسان إلى مقصدِه وتوصِله إلى غايته. وفي السفُن التي تجري في البحرِ بأمرِ الله وتحمِل البضائعَ والأرزاق والمنافع يقول الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [غافر:79، 80].
وإذا كان ركوب الأنعامِ والسّفن الشراعيّة والانتقالُ عليها فيما مضى نعمةً كبيرة، فإنَّ أعظمَ من ذلك نعمةً رَكوبُ وسائلِ النَّقل الحديثَة التي خَلَقها الله، فراكِب الطائرة والسيّارة يقطَع في ساعة وساعات معدودة ما كان يقطعُه في أشهر وأيّام فيما مضى، وهو في سَفَره وتنقُّله لا يشعر بالوَحدة، ولا يتعرَّض لوهَج الشّمس، ولا يَلفَحه لهَب الصحراء، ولا يحرِق جَوفَه الجوع والظمأُ، ولا يناله نَصَبٌ ولا تعب، ولا يخاف قاطِعَ طريق، ولا يضرُّه هُطول المطَر، ولا يؤذيه البردُ والحرّ، بل يكون سفرُه تنزُّهًا وتنقُّله تمتّعًا، يَسبِق الريحَ في جَرَيانها، ويخلِّف الطيرَ السابِحَ وراءَه في الفضاء، وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الجاثية:13].
والسّفُن العِظام التي تمخُر المحيطاتِ بما يَنفع الناسَ أعظَمُ نعمةً مما عَرَفه الناس قديمًا؛ فإنَّ ما تحمِله الواحدةُ من هذه قد يكفِي شعبًا كاملاً، فسبحانَ مَن في السماءِ عرشُه وفي الأرض سلطانُه وفي البحرِ سبيله وفي الجنّة رحمته وفي النارِ عذابُه.
ونعمَة الله على ابن آدَم في تسخيرِ الملائكة، قال الله تعالى: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11]، أي: بأمر الله عز وجل، وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [إبراهيم: 33]. فنِعمةُ الله عزّ وجلّ في تسخيرِ هؤلاء الملائكة الذين يحفَظ الله بهم بدَنَه وروحَه من كلِّ من يريد بهم سوءًا، فإذا جاءَ قدَر الله تخلَّوا عنه.
والغايَةُ من النِّعَم والحِكمَة من تفضُّل الله على خَلقِه بأنواع العطايا والهِبات هي أن يشكُروه ويسلِموا له ويحمَدوه عزّ وجلّ ويعبدوه لا يشركونَ به شيئًا كما قال عزّ وجلّ: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [النحل:81].
وأجلُّ النِّعَم ـ يا عبادَ الله ـ دينُ الإسلام، فلولا الدّين الإسلاميُّ لصار الناسُ كالعَجماوَاتِ، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكِرون منكَرًا، ولأكَل القويّ الضعيفَ، ولصَبَّ الله العذابَ على الناس من فوقِهِم، وأرسل عليهم العقوبةَ من تحت أرجلهم، ولولا الإسلامُ لما اطمئنَّت الجنوبُ في المضاجع، ولما جفَّت الأعين مِنَ المدامع، ولانحَطَّ النوع الإنسانيّ في منزلة البهائِمِ التي تتسَافد في الطّرُقات.
إنَّ الإسلام ـ يا عبادَ الله ـ هو المنّةُ العظمَى، وتكاليفُه ما هي إلا تهذيبٌ للنفوس وتدرُّج بالإنسانِ في مصاعِدِ الكمال، قال الله تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة:6].
فاشكروا اللهَ على نِعَمه، واستقيموا على دينِه، فإنَّ قومًا غرَّتهم الحياةُ الدنيا وجرَّأتهم النعَم على المعاصي، فخسِروا الدنيا والآخرة، فاحذَروا الغِيَر، فإنَّ الله قائمٌ على كلِّ نفس بما كسَبَت، ولله سنن، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب:62].
فقد قصَّ الله علينا في كتابِه ما فيه العِبرةُ لمن اعتبر، وما فيه النجاة لمن حذِر، وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ [القمر:4]، فكان ممّا قاله الله تعالى وممّا قصَّ الله علينا مِنَ الأمم الماضية قولُه تعالى: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ [سبأ:15-17]، فتجرّعوا كؤوسَ النّدَم، وفرّقهم الله عزّ وجلّ في البلادِ، وذاقوا وبالَ أمرِهم، وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].
نعوذ باللهِ من زوالِ نعمته وتحوُّلِ عافيته وفجأَةِ نِقمتِه وجميع سخطه، ولقَد كان سلَف الأمّة رضي الله عنهم يَوجَلون ويخافون ممّا فُتِح عليهم من الدّنيا خشيةَ أن تكونَ طيِّباتٍ عُجِّلت وحسَناتٍ قدِّمت مع أنَّ الله تعالى شهِد لهم في كتابِه وأثنى عليهم رسولُه في سنّتِه، وكانوا يجتَهِدون في العبادةِ والطاعة، ولا يركَنون إلى زهرةِ الدّنيا، ولا يغترّون بزُخرُفِها، فقد رَوَى مسلِم من حديثِ خالِد بن عُمير العَدَويّ قال: خطَبَنا عُتبة بن غَزوان رضي الله عنه فقال: (ولقد رأيتُني سابِعَ سبعةٍ مع رسول الله ، ما لنا طعَام إلاّ ورَق الشّجَر حتى قرِحَت أشداقنا، فالتقطتُ بُردةً فشقَقتُها بيني وبين سعد بن أبي وقّاص، فاتَّزَرتُ بنِصفِها، واتَّزَر سعد بنِصفِها الآخر، فما أصبَحَ اليومَ منّا أحدٌ إلاّ أصبح أميرًا على مِصرٍ من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكونَ في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا).
فاقتدوا بهم ـ يا عباد الله ـ في السّرّاءِ والضّراء والثباتِ والاستقامة؛ لتُحشَروا معهم وتفوزوا بحُسن العاقبة، قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:18].
بارَكَ الله لي ولَكم في القرآنِ العَظيم، ونفَعَني وإيّاكم بما فيهِ مِنَ الآياتِ والذّكر الحَكيم، ونفعنا بهديِ سيّد المرسلين وبقولِه القويم، أقول قولي هذَا، وأستغفِر الله العظيمَ لي ولكم ولسائر المسلمينَ من كلّ ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

-------------------------
الخطبة الثانية
لله ذي الجلالِ والإكرام، أحمده سبحانَه وأشكره على حسناتِه العظام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحقُّ المبين، وأشهد أنَّ نبيَّنا وسيّدنا عبده ورسوله الصادقُ الوعدِ الأمين، اللهم صلِّ وسلّم وبارِك على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وصحبه، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإنَّ شكرَ النّعَم لا يكون إلا بثلاثةِ أمور: الاعترافُ بحقِّ المنعِم سبحانه وتعالى، وحُبُّ الله تعالى بالقَلب، وصرفُ النعمةِ فيما يحبّ الله عزّ وجلّ، كما قال الرسول : ((أحبّوا الله من كلِّ قلوبكم لما يغذُوكم به من النِّعَم))، ثمّ التحدُّث بذلك باللسان قال الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، ثمّ الاجتهادُ في الطاعة والثباتُ على الدّين وترك معصية الله والبُعد عنها والمسارَعةُ إلى فِعلِ الأوامر كما قال عزّ وجلّ: اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ [سبأ:13]، وكما في الحديثِ عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يقوم من اللّيلِ حتى تتفطَّر قدماه، فقلت: يا رسولَ الله، تفعَل هذا وقد غفَر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟! فقال عليه الصلاة والسلام: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!)).
واعلموا ـ عبادَ الله ـ أنَّ العبدَ مهما قام به من الطاعَةِ واجتنَب من المعصية ومهما شكرَ الله فلن يستطيعَ أن يؤدِّيَ شكرَ أقلِّ نعمةٍ لله عليه، فقد روى الحاكم وقال: "صحيح الإسناد" من حديث جابِر رضي الله عنه أنّ رسول الله قال: ((إنَّ جبريلَ قال لي: إنَّ لله عبدًا من عباده عبَدَ الله خمسمائة سنَة على رأسِ جَبَل في البَحر، وأخرج الله له عَينًا عَذبة وشَجرةَ رُمّان تخرِج له في كلِّ ليلةٍ رمّانة، يتعبَّد يومَه فإذا أمسَى نزل فأصابَ مِن ذلك، ثم قام لصلاتِه فسألَ الله ربَّه عندَ الأجَلِ أن يقبِضَه ساجدًا حتى يبعثَه ساجدًا فاستَجَاب الله له، فنَجِد له في العِلمِ أنّه يُبعَث يومَ القِيامة ويوقَف بين يديِ الله فيقول له الربّ: أدخِلوا عبدي الجنةَ برحمتي، فيقول: ربِّ بل بعمَلي، فيقول الله: قايِسوا عبدِي بنِعمتي عليه وبِعَمله فتوجَد نِعمَة البَصر أحاطت بعبادةِ خمسمائة سنَة، وبقِيت نِعمة الجسَد فضلاً عليه، فيقول الله: أدخلوا عبدِي النار، فيُجرُّ إلى النار، فينادي: ربِّ برَحمتك أدخلني الجنة، فيقول الله: ردّوه، فيقول: يا عبدِي مَن خلَقَك ولم تك شيئًا؟ فيقول: أنت يا ربّ، فيقول الله: مَن قوّاك على عبادةِ خمسمائة سنَة، فيقول: أنت يا ربّ، فيقول: من أنزلك من جبلٍ وسَط لجّة وأخرجَ لك الماءَ العَذب مِنَ المالح وأخرَجَ لكَ كلَّ ليلةٍ رُمّانة وإنما يخرُج كلَّ سنَةٍ مرّة، فيقول: أنت يا ربّ، ثم يقول الله تعالى: أدخِلوا عبدي الجنة برحمَتي، ونِعمَ العبدُ كنتَ))، وفي الحديث عن النبيِّ أنه قال: ((لن يدخُلَ الجنّةَ أحدٌ منكم بعمله))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ((ولا أنا إلاّ أن يتغمَّدني الله برحمته)).
عبادَ الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقد قالَ : ((مَن صلَّى عليَّ صلاةً واحِدة صلّى الله عليهِ بها عشرًا)).
اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلم تسليمًا كثيرا...












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 02:19 PM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(19)
عظمة الإسلام

الخطبة الأولى
أمّا بعد: فيا أيّها المسلمون، تمسَّكوا بهذا الدين، والتَزِموا بتوجيهاتِه وتعاليمِه تفلِحوا دنيًا وأخرى.
معاشرَ المسلمين، مِن منطلَق ما أصاب البشريّةَ من تلاعبٍ بالمصطلَحات البرّاقة وما حلَّ بها من تشويهٍ للمناهج السديدةِ والحقائق السليمةِ فإنَّ أهلَ الإسلام ينادونَ العالمَ كلَّه ويناشِدون البشريةَ جميعَها إلى تفهُّم حقيقةِ هذا الدين والتبصُّر في مضامينِه والتبحُّر في قواعدِه وأصوله وكلّيّاتِه والتعرُّف على جزئيّاته وفروعه؛ لتنقيةِ الأفكار من الشوائبِ التي تُحسَب على الإسلام وتسهِم في تشويهِ صورته النقيّة الصافية، كلُّ ذلك بموضوعيّةٍ وإنصاف وتلقٍّ من أهل العلم العاملين العَالمين ذوِي الورَع والتقوى، دون تحيُّز ولا هَوى، وبلا انحرافٍ في مسلَك علميٍّ أو منهَج تطبيقي.
كيف لا ينادُون بذلك وهم يعانون أذًى متكرِّرًا، ينال مسلَّماتِ دينهم وثوابِت عقيدتهم، بل وينال مِن كتاب ربِّهم وشَخص رسولهم ونبيِّهم عليه أفضل الصلاة والتسليم؟! نعَم، يجِب عليهم ذلك وهم يرونَ تشويهًا لحقائقِ الإسلام وفَهمًا مغلوطًا لمفاهيمه في دهاليزِ الثقافة العالميّة عن تعمُّد تاراتٍ وعن غِرّةٍ تارةً أخرى.
حُقَّ لأهل الإسلام أن ينادُوا، بل وواجبٌ محتَّم عليهم دعوةُ العالم كلِّه للمشاركة فيما هدَاهم الله إليه من هدايةِ الرّحمة الشاملة والسعادةِ التامّة.
أيّتها البشرية، الأمر كلُّه من قبل ومن بعد لله وحده، أنزَل كتابه هدًى ورحمة، إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، وأرسل رسولَه محمّدًا للبشريّة أجمع؛ لينقِذَها من الظلمات إلى النور من الجاهليّة إلى العلم، ليكونَ للبشرية رحمةً عامّة وخيرًا مطلقًا وإصلاحًا شاملاً، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].
أيتها البشريّة، دين الله الذي أرسَل به محمّدًا دينُ الله للبشريّة كافة، ضمّنه سبحانه نظامًا كامِلاً متكامِلاً للحياةِ بنظامٍ جامع محكَم، وفق أسُس ومبادئ حكيمةٍ متقَنَة وقواعِدَ أساسيّة ثابتة؛ لتسعَدَ بها البشريّة في هذه الحياة وتنجوَ وتفوزَ في الآخرة. دينٌ غايتُه الكبرى وهدفه الأسمى الإصلاح بشتَّى صورِه وكافّة أشكاله.
وإنّنا ـ ونحن في مقامِ إيجازٍ لا بَسط وفي مقام إجمالٍ لا تفصيل ـ لنرسل رسالةً صادقة للبشريّة جمعاء من منبرِ رسول الله ، للبشريّة كافّة، رسالةً تتضمّن وقفاتٍ مختصرةً، وتتضمَّن بيانًا شافيًا للجاهل وردًّا مفحِمًا للمكابر، فيمَنْ يزعم بهتانًا وعدوانًا أنَّ الإسلام دين يدعو لعدَم التسامُح ويتضمَّن في طيّات أحكامِه الدعوةَ للعنف ويحمِل انتِهاكًا لحقوق الإنسان المزعومَة.
إنها رسالةٌ تتضمَّن إيضاحَ بعضِ مبادئ منظومةِ نظامِ الإسلام الشامل المبنيِّ على المبادئ الإصلاحيّة التي تسعَد بها البشرية كلّها. إنها وقفةٌ على جملةٍ من المبادئ المثلَى في الإسلام؛ ليعلَمَ كلُّ منصفٍ عظمةَ الإسلام وأنه سبقَ بتشريعاتِه المحكَمَة ما حواه الإعلانُ العالميّ لحقوق الإنسان بحقوقٍ في الإسلام لبني الإنسان بكلِّ شمولٍ وسعة وعُمق، وأن يعلمَ المنصفون أنه لا يوجدُ تشريع أفاضَ في تقريرِ هذه الحقوق وتفاصيلِها وتبيِينها وإظهارِها في صورةٍ صادقة مثلَمًا حَوته أحكام الإسلام.
أيتها البشرية، الدينُ الإسلاميّ قرَّرَ مبادئ الحرّيّة بمدلولها العام، حرّيّةٌ لا تقيَّد بمجرَّد أهواءِ النّفوس وشطَطَها وميلها، وإنما تقيَّد بنصوص إلهيةٍ وتوجيهاتٍ نبويّة لا تراعِي إلا تحقيقَ المصالح الحقيقيّة لسعادة الدنيا والآخرة، حريةٌ مبنيّة على قواعد الحقّ والعدل والإنصاف، حرّيّة لا تُستَغَلّ في الاعتداء على الآخرين ولا بالإضرار بالعالمين، حرّيّة أساسُها الخضوع للخالق وعدمُ الخضوع لغيره، تحقِّق للبشريةِ بعقيدةِ التوحيد الحريّةَ الكاملة من الخضوع والذّلِّ لغير الله الواحدِ المعبود، حريّةٌ ترفع العبدَ عن كلّ رهبة بغير حقٍّ عن أعناق البشر وتحطِّم الطواغيتَ التي تطغَى وتتجبَّر وتملأُ بالذلِّ والرَّهبة أفئدةَ البشر.
والإسلامُ ـ وهو يكفلُ مبادئَ الحرية الحقّة ـ لا يَغفل عن تقريرِها لغيرِ المسلمين حينما يقرِّر عدمَ الجَبر على اعتناقِ هذا الدين، وإنما واجبُ المسلمين الدعوةُ إلى هذا الدين وبيانُ محاسنِه للعالمين وإيضاحُ صورتِه الحقيقيّة للناس أجمعين، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين [يونس:99].
ذكرَ بعض المفسِّرين أنَّ عمر رضي الله عنه قال لعجوزٍ نصرانيّة: أسلِمي أيّتها العجوز تسلَمِي، إنَّ الله بعث محمّدًا بالحقّ، قالت: أنا عجوزٌ كبيرة والموتُ أقرب، قالَ عمَر: اللّهمّ اشهَد، وتلا قوله: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256].
أيّها الناس، دينُ الإسلام جاء ليَحفَظ للإنسانيّة كرامتَها، وينظُرُ إلى الإنسان انطلاقًا من هذهِ المكانة العاليةِ التي خُصَّ بها البشَر، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [الإسراء:70]؛ ولهذا فالنّاس في نظرةِ الإسلام متساوونَ في الحقوقِ، لا فَضلَ لأحدٍ على أحد إلاّ بالتزام التوحيدِ والتمسّك بتقوى الخالق، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، ولهذا أكَّد على أهلِ الإسلام احترامَ مشاعِرِ الآخرين، فنهَى عن سبّ معتقَدات غيرِ المسلمين حتى لا يجرَّهم ذلك إلى النيلِ من مقدَّسات المسلمين: وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108]. قال القرطبيّ: "لا يحلّ لمسلم أن يسبَّ صلبانهم ولا دينَهم ولا كنائسَهم، ولا يتعرَّض إلى ما يؤدِّي إلى ذلك؛ لأنّه بمنزلة البَعث على المعصيَة" انتهى، لكنّ المسلمَ يدعو إلى هداية الإسلام بما شرعه الربُّ العلاّم: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].
وها هو مُعلِّم البشريّة محمد يضرِب مثالاً تطبيقيًّا في احترامِ البشَر من حيث هم، فحينما قال: ((إذا رأيتم الجنازَةَ فقوموا حتى تخلِّفَكم))، فمرَّت به جنازَة فقامَ عليه الصلاة والسلام، فقيل له: إنها جنازة يهوديّ! فقال: ((أليست نفسًا؟!)).
دين الإسلام بنِيَت تشريعاته وأسِّسَت أحكامُه على مبدأ الإحسانِ والدّعوة إليه حتى مَع الآخرين ممّن ليسوا محارِبين معتدين ظالمين، يقول سبحانه : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83]، ونبينا يقول: ((إنَّ الله كتب الإحسانَ على كلّ شيء)).
ومن الصّوَر التطبيقيّة لهذا الأصل قوله جل وعلا: لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ [الممتحنة:8]. والبِرّ هنا هو الإحسانُ بالقول والفعل.
كان عبد الله بن عَمرو يوصِي غلامَه أن يعطيَ جارَه اليهوديّ من الأضحية، وكان يكرِّر له الوصيةَ حتى دُهِش الغلام، فسأله فقال ـ أي: عبد الله ـ: سمعتُ رسول الله يقول: ((ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتى ظنَنتُ أنه سيُورِّثه)) رواه البخاري.
ومِن هنا شهِد المنصفون من غيرِ المسلمين بهذه الخاصّيّة حينما يقول قائلهم: "إنَّ المسلمين في مُدُن الأندلس كانوا يعامِلون النصارى بالحُسنى"، ويقول آخر: "ساعَدَ الإسلامُ وما أمَر به من العدلِ والإحسان كلَّ المساعدة على انتشاره في العالم".
أيّها الناس، دينُ الإسلام ترتكِز أصولُه وثوابِتُه وتتفرَّع جزئيّاته وأحكامه على تحقيقِ مبدَأ الأخلاق بِاختلافِ مراتبِها بما لا يوجَدُ له نظير في النّظُم والحضارات كلِّها، يقول : ((إنما بعِثتُ لأتمِّمَ مكارِمَ الأخلاق)) رواه مسلم.
دينُ الرحمة بشتَّى صوَرِها ومختَلف أنواعها، يدعو إلى إيصالِ النّفع وتحقيقِ المصالح إلى العبادِ، روى مسلم أنَّ النبيَّ قيل له: ادعُ على المشركين، قال: ((إنِّي لم أبعَث لعَّانًا، وإنما بُعِثتُ رحمة). نعم، إنّ نبيَّ الرحمة والعطف والشّفقة يقول عليه الصلاة والسلام: ((لا يرحَمُ الله من لا يرحَم النّاسَ)) متفق عليه.
ولم ولن ترَى البشريّة رحيمًا مشفِقًا كمحمّد ، في سنن أبي داودَ من حديثِ ابن مسعود قال: كنّا مع النبيِّ في سفر، فانطلق لحاجَتِه فرأينا حُمَّرةً معها فرخان، فأخذنا فرخَيها فجاءتِ الحمَّرةُ فجعلَت تُفرِّش، فجاء النبيّ فقال: ((من فجَع هذه بولَدِها؟ ردّوا إليها ولدها))، يقول ابن مسعود: ورَأى عليه الصّلاة والسلام قريةَ نملٍ قد حرَّقناها، فقال: ((من حرّق هذه؟ إنّه لا ينبغي أن يعذِّب بالنار إلا ربُّ النار)). والأمثلة التطبيقيّة على رحمة هذا الدين لا يحصيهَا لِسان ولا يسَع تعدادَها مثلُ هذا الموضعِ والمكان.
دينُ الإسلام دينٌ يحقِّق قاعدةَ العَدل ومبادِئ المواساة، عَدلٌ معيارُه وميزانه لا يخضَع لأهواء البشَر ومداركِهم، ولكن لميزانٍ لا تميل كفَّته ولا يضطرب مقياسُه، إنه وحي الله الذي أرسَلَ به رسولَه وأنزل به كتابَه، نزل لإحقاقِ الحقّ وإبطال الباطل وإقامةِ العدل في كلّ شأن ومهما تغيَّر الزمان والمكان، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى [النحل:90].
أصولُه وفروعه وتوجيهاتُه مبنيّة على الأمر اللاّزم بالعدل حتى مع الأعداء المحاربين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]، ورسولنا يقول: ((ألا من ظلَم معاهدًا أو انتَقصه أو كلَّفه فوق طاقتِه أو أخذ منه شيئًا بغيرِ طيبِ نفس فأنا حجيجُه يومَ القيامة)) رواه أبو داود.
يقول أحَدُ المؤرِّخين الشهيرين من غير المسلمين: "إنَّ الشريعة الإسلاميّةَ أسَّست في العالم تقاليدَ عظيمة للتعامُل العادل، وإنها لتنفُخ في الناس روحَ الكرَم والسماحة كما أنها إنسانيّة السِّمَة ممكِنَة التنفيذ"، ويقول آخر: "بل كان المسلِمون على خلافِ غَيرهم، إذ يظهر لنا أنهم لم يألوا جُهدًا أن يعامِلوا كلَّ رعاياهم من المسيحيِّين بالعدل والقسطاس".
أيها الناس، دينُ الإسلام جاءَ ليحفَظَ الضروريات الخمس: الدين والنّفوس والعقول والأموال والنّسل والأعراض، وما يلحَق بهذه الضروريات من حاجيّات وتحسينيّات، حتى شملَت توجيهاتُه حفظَ نفوس وأموال وأعراضِ غيرِ المسلمين من المعاهَدين والمستأمَنين: ((من قتل معاهَدًا لم يَرح رائحةَ الجنة، وإنّ ريحها ليوجَد من مسيرة أربعين عامًا))، وفي المسند: ((ألا لا تحلّ أموالُ المعاهَدين إلاّ بحقها))، وقد نصَّ عُلماء الحنفيّة والمالكيّة على تحريم غِيبةِ المعاهّد؛ لما ورد عنه كما في الجامع الصغير: ((مَن آذَى ذميًّا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله)) الحديث، بل إنَّ الإسلامَ يوجِّه أتباعَه وهم في حالِ المعركةِ بوصايا يوجِزُها خليفة رسولِ الله أبو بكرٍ موجِزًا توجيهاتِ رسولِنا حينما يقول لأسامةَ: (إنِّي موصيكَ بعشرٍ: لا تقتُلنّ امرأةً ولا صبيًّا ولا كبيرًا هرِمًا، ولا تقطَع شجَرًا مثمِرًا، ولا تخرِّبنَّ عامِرًا، ولا تعقِرَنّ شاةً ولا بعيرًا إلا لمأكلَة، ولا تغرِّقنّ نخلاً ولا تحرِّقنَّه، ولا تغلُّوا، ولا تجبُنوا) الوصيّة.
دين الإسلام دينٌ أصَّل مبادِئَ التكافُلِ الاجتماعي قبل أن يعرِفها العالم المعاصِر بما ليس له نظيرٌ ولا يوجَد له مثيل، دعا إلى التعاوُن، أوجَبَ الزكاة، فرَض الكفّارات، حثَّ على الصدَقات لتُقضَى الحاجاتُ وتنفَكّ الكرُبات. وقد شمل بهذا النّظامِ المحكَم حتى غير المسلمين، روى أبو عبيدٍ في الأموال في مراسيلِ سعيدٍ أنَّ رسولَ الله تصدَّق على بيتٍ من اليهود ثم أُجرِيَت عليهم الصدَقةُ من بعد، وروى أبو يوسف أنَّ عمر أمر خازِن بيت المال بصرفِ حاجةِ شيخٍ كبيرٍ ضريرِ البصر من غيرِ المسلمين من بيتِ المال، وفي كتاب الخراج أنَّ خالدَ بن الوليد كتب في صلحه مع أهل الحيرة: (وجعلتُ لهم أيّما شيخٍ ضعُف عن العمل أو أصابَته آفةٌ من الآفات أو كان غنيًّا فافتقَر وصار أهلُ دينه يتصدَّقون عليه طُرِحَت جِزيتُه، وعِيلَ مِن بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدارِ الهِجرة).
دين الإسلام دينٌ تقوم دعوتُه على الدعوةِ إلى الخير والهدَى والإصلاح في الدنيا والآخرة، فهو يتَّخِذ من الرفق قاعدتَه ومِن اليُسر تأصيلَه، ففي قواعِدِه الكبرى "الحرج مرفوع" "المشقّةُ تجلِب التيسير"، ووصيّة نبيِّ الإسلام: ((يسِّروا ولا تعسِّروا، بشِّروا ولا تنفِّروا)).
دينٌ قامت أصولُه وكليّاته وانبثَقَت فروعُه وجزئيّاتُه لتحقيقِ الأصل المكِين: الشريعة جاءَت لتحصيل المصالح وتكثيرِها ودرء المفاسد وتقليلِها.
دين لا يرضى بالأذَى، ولا يقِرّ الضّرَر لغير المعتدِين الظالمين، لا ضرَر ولا ضِرار.
دينٌ جعَل لكلّ شيءٍ حقَّه بترتيبٍ بديع ونظامٍ متقَن كما هو مقرَّر في نظريّة الحقوق المبثوثَة في ثنايا فقه الإسلام من حقوقِ الأشخاص إلى حقوقِ الجماعة، مِن حقوق الوالي إلى حقوقِ الرّعيّة، من حقوقِ المسلمين إلى حقوقِ غيرهم. حقوقٌ يلتزِم بها المسلِمون من منطلَق التعبُّد لله الذي لا يداخِلُه هوى، ولا يتأثَّر الالتزامُ به بمصلحةٍ أو منفَعَة. حقوقٌ يلتزِم بها المسلِم وَفقَ المشروع من غير ضرَرٍ ولا إضرارٍ، وفقَ الأصل المعهود المسمَّى في الفقه الإسلام: نظريّةُ منعِ التعسُّف في استعمال الحقّ.
أيها الناس، دين الإسلام أعلَى شأنَ المرأة ورفع من قدرِها وأزال عنها ما لَقِيَته مِن ظلمٍ وهوان لفَّ حياتَها ووجودَها دهورًا طويلة، فسوَّى بينها وبين الرجل في دعامَتَي التعامُل البشريّة وَفقَ نظريّة الحقوق والواجبات إلاّ في بعضِ المسائل التي توافِقُ خصائصَ كلٍّ واستعدادَه الفطريَّ والجسديّ والنفسيّ، وَفقَ ما تدعو إليه المصالح الخاصّة والعامة للمجتمع، فهي في نظرةِ الإسلام شريكةُ الرجل، تتعاوَن معه لغايةٍ مشتَرَكة، ولكلٍّ دوره وواجباتُه في دفع عجَلة الحياةِ وتحقيقِ العبوديّة لله والإصلاحِ الكامل في الأرض، حَسبَ التبايُن في الخلقِ والتنوُّع في الاختصاص وتنسيقِ الأدوار، وَفقَ الخصائصِ والمؤهّلات والقدرات، وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:288]، يقول : ((إنما النّساء شقائقُ الرّجال)) حديث صحيح، بل وأكَّدَ على حقوقِها كثيرًا، وأوصى بها في كلِّ مراحِلِها، ففي خطبة الوداع يقول : ((اتَّقوا الله في النساء)).
هذه بعضٌ من منظومةٍ كلِّيَّة من مبادئ وكلّيّات هذا الدين، التي هي أصول ثابتةٌ تتَّسِم بالملاءَمَة لجميع البشرية، لا تخضع لمعاييرَ زمنيّة أو مكانيّة أو مصالح نفعيّة، بل هي أصولٌ يُلزم بها المتمسِّكين به دينًا وتعبُّدًا لله وحدَه، فانظري وتأمَّلي وتعقَّلي أيتها البشريّة، ثم قِفي وتساءلِي: أين ميزانُ هذه المبادِئ من مصطلحاتٍ معاصِرة برّاقة: "حقوق الإنسان" "حقوق المرأة" "السّلام العالمي" "مبادئ الحرية والديمقراطية"، ممّا لا يخفى على عاقلٍ مدرِك محقِّق أنها مصطلحاتٌ في غالبها تخضَع لمعاييرَ مزدَوجةَ، تتغيَّر بتغيّر المصالح، وتتبدّل بتبدُّل المنافع، وتطَبَّق وفقَ الأهواء والآراء، وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِين [سبأ:24].
بارَكَ الله لي ولَكم في القرآنِ، ونفعَنا بما فيهِ منَ الآيات والبيان، أقول هذا القول، وأستغفِر الله تعالى لي ولكم ولسائِر المسلمين والمسلِمات من كلّ ذنب، فاستغفِروه إنّه هو الغفور الرحيم.

-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد للهِ علَى إِحسَانِه، والشّكر لَه علَى توفيقِه وامتِنانِه، وأشهد أن لا إلهَ إلاّ الله وحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشأنِه، وأشهَد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبدُه ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه.
أما بعد: فيا أيها الناس، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين.
عباد الله، في الوقتِ الذي ننادي العالم كلَّه لهداية الإسلام ونورِه وضيائه لتَسعد وتصلحَ أحوالها نذكِّر الناسَ أنَّ العالم اليومَ في أحوج ما يكونُ إلى إعادةِ ترتيب الأوراقِ والالتزام بالموازينِ الصحيحة، وإلا فلِماذا حقوقُ الإنسان تَذهَب أدراجَ الرّيَاح وتعودُ تلك المبادِئ مجرّدَ أساطير وأوهامٍ وخرافات حينما يتعلَّق الأمر بالمسلمين وقضاياهم العادلة؟! ولماذا الازدواجيّةُ في التطبيقِ الفعليّ لدعاوَى الحرّيّات والديمقراطيّة لمزعومة في كثيرٍ من قضايا المسلمين؟! أين عُقلاء العالم عن محاسَبَة من يحتلُّ أراضِي المسلمين وحقّ سيادَتهم؟! وأين هم عمَّن يتحدَّى المسلمين ويغيظُهم بتدنيسِ أعظَم ما هو عندهم كتابُ ربَّهم؟! وأين المحاسَبَة لمن يتهجَّم على خير البشريّة رسولِ ربِّ العالمين إلى أهل الأرض كلِّهم؟! أين حقوقُ الإنسان عمّا يتعرَّض له المسلمون في أماكنَ شتّى من آفاقِ الأرض من قتلٍ وتدميرٍ وإبادة؟! أين فلاسِفَة الحريّات ومفكّرو حقوقِ الإنسان كما يزعمون عن تلك الموضوعاتِ الجليّة والحقائق الناصعة؟!
ثمّ إنّ الله أمرنا بأمرٍ عظيم، ألا وهو الصّلاة والسّلام على النبي الكريم.
اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا ورسولِنا محمّد، اللّهمّ ارضَ عن الخلفاء الراشدين...












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 02:23 PM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(20)
جريمة السحر

الخطبة الأولى
أمّا بعد: فاتَّقوا الله ـ عبادَ الله ـ حقَّ التّقوى، فالتّقوَى طريقُ المفلحين، والإعراضُ عنها سَبيل البائِسين.
أيها المسلمون، الهدايةُ مِنحَةٌ منَ الكريم، ينعِم بها على من يشاء مِن عباده، وقد أمَر جلَّ وعلا بالحِفاظ عليهَا ممّا يدنِّس صَفوَها أو يمحو نورَها، ومِنَ النّاس من أَرخَص دينَه بعدَمِ رِضاه بما كُتب له أو لغَيره جزَعًا على المقدور، فباعَ دينَه للسَّحَرة والمشعوِذين بِسؤالهم المغيَّباتِ أو طلبِ السّحر منهم أو لتحقيقِ أطماعٍ موهومة، ولَقد اكتوَى بنارِ السّحَرة الأفرادُ والمجتمعات.
والسِّحر جامعٌ لمُهلكاتٍ في الدّين من الاستغاثةِ بالجنّ والشياطينِ وخوف القلبِ مِن غيرِ الله ونبذِ التوكّل على الله وإفسادِ معايش النّاسِ ومصالحهم، وهو من مَعاول هدمِ المجتمَع وممّا يفرِّق الأسَر، قال عليه الصلاة والسلام: ((اجتَنِبوا السبعَ الموبِقات))، قالوا: وما هنَّ يا رسول الله، قال: ((الشركُ بالله والسّحر وقتلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحقّ وأكلُ الرِّبا وأكل مالِ اليتيم والتولِّي يومَ الزحف وقذفُ المحصَنات المؤمِنات الغافِلات)) متفق عليه.
والشّيطان يَؤزُّ السّاحرَ أزًّا ليَعملَ السّحرَ أذيّةً لعبادِ الله، قال جلّ وعلا: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة:102]، وقال جل وعلا: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ [البقرة:102]. وليسَ كلّ سِحرٍ يؤثّر في المسحور، فكم من سَاحرٍ عقَد سِحْرًا ولم يؤثِّر في المسحور، قال عز وجل: وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]. والضرّ والنفع كلُّه بيدِ الله، قال النبيّ : ((واعلم أنّ الأمّةَ لو اجتَمعوا على أن يَضرّوك بشيءٍ لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبَه الله عليك)) رواه الترمذيّ.
أيّها المسلمون، السّاحِر أخبَثُ الناس نَفسًا وأفسدُهم طَبعًا وأظلَمهم قَلبًا، قَريبٌ من الشّيطان، عابدٌ له، مدبِرٌ عن الخير، ناقِمٌ عَلى المجتمَع، متَّصِف بأحقرِ الصّفات، يَكذب على من يأتيه بالأخبارِ المزيَّفة، قالَ النبيّ : ((فيُلقيهَا على لسانِ السّاحر أو الكاهن، فيكذِب معها مائةَ كذبَة)) متفق عليه.
ولا يَتمّ له السِّحر إلاّ بعدَ الكفرِ بالله العظيم، قال عليه الصلاة والسلام: ((ومَن سحَر فقد أَشرَك)) رَواه النسائيّ، قال في فتحِ المجيد: "هذا نصٌّ في أنَّ الساحرَ مشرِك؛ إذ لا يتأتَّى السِّحر بدون الشّرك".
يحبّ الساحرُ المالَ حبًّا جمًّا، ويخدَع السُّذَّج لذَلك، ولمَّا طلَب فرعون من السّحَرة أن يواجِهوا موسى بالسحرِ طلَبوا منه مالاً، قال سبحانه إخبارًا عنهم: وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ [الأعراف:113-114].
الساحر يمكُر بالآخرين، فيَدعوهم إلى الشّرك، فقد يَأمر من يأتيه بالذَّبح لغير الله، وقَد يأمرُه بتعليقِ تميمةٍ زاعمًا النفعَ منها ودفعَ الضرِّ بها، والنبيّ يقول: ((مَن تعلَّق تميمةً فقَد أشرَك)) رواه أحمد.
ويوهِم من أتى إلَيه بأنّه يَعرِف ما بِه من الأمرَاضِ والأسقَام ليتَعلَّق قلبُه به، ويخادِع من أتاه بإحاطةِ طَلاسِمِه بالآياتِ القُرآنيّة.
السّاحِرُ ضرَرُه محضٌ على المجتَمع، وأفعالُه ظُلماتٌ متراكِبة، أوقَع أفرادًا من المجتَمع في الشّرك، وأحلَّ به الخُطوبَ، شتَّت بيوتًا سعيدَة، وفرّق بين زوجَين متآلِفَين، فذاقَ بسبَبه الأبناءُ الأبرياءُ مرارةَ الحَياة، وتعرَّضوا بفُرقةِ والدِيهم لأسبابِ الانحرَاف، جلَب للنّاسِ الهمومَ والكروب، فكم من إنسانٍ مُعافى تسبَّب الساحر في مرَضه، وكم من فقيرٍ تحمّل ديونًا طلبًا لعافيةٍ سلَبها منه السّاحر، وكم أكَل السّاحر من الأموال سُحتًا لقاءَ ما يزعمُه من الدّواء أو عِلم الغَيب، وكم من إنسانٍ أخرَجه الساحِر من الدّين لتصديقِه خَبرًا من الغيب لا يعلَمه إلا الله، قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن أتى عرّافًا أو كَاهنًا فسأَله عن شيءٍ فصدَّقه فقَد كفَر بما أُنزل علَى محمّد)) رواه أحمد.
ولتفاقُمِ خطَر السّحَرة على المسلِمين جاء حُكمُهم بقَطعِ أعناقِهم لتسلَمَ المجتمعاتُ من شرورِهم، كتب عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه إلى عمّاله أن اقتُلوا كلَّ ساحِر وساحرة. وجزَاؤه في الآخِرة دخولُ النّار، قال عز وجل: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:102].
ومَع ضرَرِ السّاحر المتحقِّق على المجتمع والدّين ترَى نفوسًا تفسِد دينَها بإتيانِ السّاحر مرّةً بعد أخرى.
أيّها المسلمون، مَن طرَقَ بابَ ساحرٍ ليعمَل له سِحرًا فقد باعَ دينَه بدنياه، واستعَاض عن نورِ الإيمان بظلامِ القَلب، وإنَّ الراضِيَ بالفعلِ المستحبّ له كالفاعِل له، جاءَ في نواقضِ الإسلام العشَرة: "فمن فعله ـ أي: السحر ـ أو رضِيَ به فقد كفَر، قال سبحانه: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:102]".
الذّاهِب للسّحَرةِ أغضَب الخالقَ، وظَلَم المخلوق، وبلَغ من الحسَد غايتَه بعمَل السِّحر لغيرِه إزالةً لنِعمةٍ تفضَّل الله بها علَى غيرِه، ووَبالُ من سعَى لسحرِ غيرِه مَردود عليه، قال جلّ وعلا: وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ [فاطر:43]. قال ابنُ كثير رحمه الله: "أي: وما يعودُ وبالُ ذلك إلاّ عَليهم أنفسِهم دونَ غيرهم، قال محمّد بن كعب القرظيّ: ثلاثٌ من فعَلهنّ لم ينجُ حتى تنزلَ به: مَنْ مكَر أو بغَى أو نكَث، وتصديقُها في كتاب الله عز وجلّ".
فلا تكن ـ يا طالب السِّحر ـ منَ الهاوين مع السَّحَرة بالخروجِ من دينِك، وتذكَّر أنَّ الدّنيَا قصيرة، وأنّك تُوسَّد في قبرٍ مظلِم، فأعلِن توبتَك، واغسِل حسَدَ قلبِك بالإحسان إلى غيرِك عِوَضًا عَن سِحرِهم، واحلُل عُقَدَ مَنْ سحَرتَ قبل أن تدورَ عليك الدوائر من الربِّ العظيم.
أيّها المسلمون، المسحورُ مظلومٌ، وقد يُعوِّضه الله عن النّعمة التي حُسِد علَيها بنعمةٍ أعظَمَ منها، والله يبتلِي من يحبّ مِن عباده رفعةً له وتكفيرًا لسيّئاته، قال النبيّ : ((من يُردِ الله به خيرًا يصِب منه)) رواه البخاريّ.
فلا تحزَن ـ أيّها المسحور ـ على ما أصابك، فالله يبتلي عبدَه المؤمِن ليقرّبَه إليه، ولا تسخَط بسبَب ما حلَّ بك، ولا تجزَع مما كتَبَه الله عليك، فقد يَكون ذلك سببَ سعادَتك، قال سبحانه: وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ [البقرة:216].
ودَعوة المظلوم مستجابَة، قال المصطفى : ((ثلاثُ دعواتٍ مستجابات لا شكَّ فيهنّ: دعوة المظلوم، ودَعوة المسافِر، ودعوةُ الوالِدِ على ولده)) رواه الترمذي. وإذا صَبرتَ واتَّقيتَ الله كانت لك العاقبةُ، قال عز وجلّ: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128].
وأكثِر من دعوة ذي النون: "لا إله إلا الله أنت، سبحانَك إني كنت من الظالمين"، يقول النبيُّ : ((لم يَدعُ بها مسلِم قطّ إلاّ استجابَ له)) رواه الترمذيّ، قال ابن القيّم: "وقد جُرِّب أنّ مَن قالها سَبعَ مراتٍ كشَف الله ضرَّه".
واجعَل "إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللّهمّ أجُرني في مصيبَتي، وأخلِف لي خيرًا منها" معطَّرًا بها لسانُك، قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن قالها آجرَه الله في مصيبَتِه، وأخلَف له خيرًا منها)) رواه أبو داود.
ولازِم الاستغفارَ تفرَج عنك الهمومُ ويُزاح ما ألمَّ بك مِن الكروب، وإنّك أن تقدمَ ـ أيّها المسحور ـ على ربّك وأنت مظلوم خيرٌ من أن تأتيَ إليه وأنت ظالم، فالجَأ إلى الله، وأكثر منَ الاستغفار والدعاءِ، ففرَجُ الله قريب، وإيّاك واليَأسَ مِن رَوح الله.
ومَن أسرفَ على نفسِه بارتيادِ الكَهَنة وسوَّلَت له نفسُه الإضرارَ بالآخرِين فليقلِع عمّا يفسِد دينَه، وليُقبِل على الله بتوبةٍ نصوحةٍ من الجُرم العَظيم، وليسلُك سبيلَ التائِبين، وليحذَر طريقَ المفسِدين منَ السّحرَة والمشعوِذين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69].
بَارَك الله لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونفَعني الله وإيّاكم بما فيهِ مِن الآيات والذّكر الحكيم، أقول ما تَسمعون، وأستغفِر الله لي ولَكم ولجميعِ المسلمين مِن كلّ ذنب فاستغفروه، إنّه هو الغفورُ الرّحيم.

-------------------------
الخطبة الثانية
الحمدُ لله على إحسانه، والشّكر له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهد أن لا إلهَ إلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشأنه، وأشهَد أنَّ محمّدًا عبده ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحَابه، وسلَّم تسليمًا مَزيدًا.
أيّها المسلمون، مَن كان قَريبًا من اللهِ ابتعَدت عنه الآفاتُ والشّرور، والإكثارُ من ذِكرِ الله مِن أسبابِ مَنع وقوعِ السِّحر، والمحافظةُ على صَلاةِ الفجر جماعةً حِصنٌ مِن الشّرور، وَسورَةُ البقرة سورَةٌ مباركَة، قال عليه الصلاة والسلام: ((اقرَؤوا سورةَ البقَرة، فإنَّ أخذَها برَكة، وتركها حَسرة، ولا تستطيعها البَطَلة)) يعني السحرَة. رواه مسلم.
وقِراءةُ المعوِّذَتين في أوَّل النهار وآخرِه تدفَع السّحرَ، قال عليه الصلاة والسلام لعُقبةَ بن عامِر رضي الله عنه: ((تعوَّذ بهما، فما تعَوَّذ متعوِّذٌ بمثلِهما)) رواه أبو داود. قالَ ابن القيّم: "حاجَةُ العبدِ إلى الاستِعاذةِ بهاتَين السّورَتين أعظمُ من حاجَتِه إلى النفَسِ والطعامِ والشّراب واللّباس".
ومَن قرأ الآيتين من آخر سورةِ البقرة في ليلةٍ كفَتاه من الشّرور، وأَكلُ سبعِ تمرَات من تمرِ العجوَة تمنَع السّحر، قال المصطفى : ((من تصبَّح بسبعِ تمراتٍ عجوة لم يَضرَّه ذلك اليوم سمٌّ ولا سِحر)) متفق عليه.
واحذَروا المعَاصيَ وأنواعَ المعازِف، فإنها مِن أعظمِ ما يجلب الشياطينَ إلى البُيوت، وإذا خَلا جوفُ العبد من ذِكرِ الله أو قلّت عِبادتُه لمولاه تسلَّطَت عليه الشيَاطينُ وسهُل وُصول الضرَرِ إليه، فأكثِروا من قِراءةِ القرآن، واشغَلوا أوقاتَكم بذكرِ الله وعبادتِه، فالقرآن شفاءٌ من الأدواء، وذكرُ الله يحْرسُ العبدَ مما يؤذيه ويشرَح الصدرَ ويُطَمئِن القلب، أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ [الرعد:28].
ثمّ اعلَموا أنّ الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيّه، فقال في محكَم التنزيل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].
اللّهمَّ صلِّ وسلِّم على نبيّنا محمّد، وارض اللّهمّ عن خلفائه الراشدين...












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 05:56 PM   المشاركة رقم: 21
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(21)
أهمية الإخلاص

لخطبة الأولى
أمّا بعد: فاتَّقوا الله معشرَ المسلمين، فتقوَى الله عدّتُكُم وزادُكم لأخرَاكم وصلاحُ دنياكم.
عِبادَ الله، اعلَموا أنَّ الله غنيٌّ عن العالمينَ، لا تنفعُه طاعة الطائعِين، ولا تضرّه معصيةُ العاصينَ، وإنما نَفعُ الطّاعةِ لفاعلِها، وضرَرُ المعصيَةِ لصاحبِها، قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [الجاثية:15].
ولمّا كانَ العبدُ مخلوقًا لعِبادةِ الله تعالى ولاَ صَلاحَ له ولا فَلاحَ في الدّارَين إلاّ بتحقيقِ هذهِ العبوديّة بَيَّن الله له أنواعَ العِبادة، وفصّلها للخَلق في الكتابِ والسنّة، وبيَّن ما يُضادّ هذه العِبادةِ؛ ليتقرّبَ المسلِم إلى ربِّه بفعلِ كلِّ أمرٍ أمرَه الله به، وبِتركِ كلِّ نهيٍ نهاه الله عنه، قالَ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77]، وقال تَعالى: وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال : ((مَا نهيتُكم عَنه فاجتنِبوه، وما أَمرتكم بِه فأتوا مِنه ما استَطَعتم، فإنما أَهلَك مَن كان قبلَكم كَثرةُ مسائِلهم واختلافُهم على أنبيائِهم)) رواه البخاريّ ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
والعِبادةُ تقرُّبٌ إلى الله عزّ وجلّ بما شرَع بحبٍّ وخُضوعٍ تامّ واستسلامٍ لربّ العالمين، قالَ الله تعالى: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ [الزمر:54]، وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]، فلا يتَقرّب أحَدٌ إلى الله تعَالى ولا ينالُ رضوانَه إلاّ بأن يعمَلَ الطاعةَ على نورٍ مِنَ الله، ويترك المعصية على نور من الله، فلا يَبتدِعُ في دينِ الله، ولا ينحرِف عن شرعِ رسول الله ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسولُ الله : ((مَن عمِل عملاً ليس عَليه أمرُنا فهو ردّ)) رواه مسلم، و((من أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ)) رواه البخاري ومسلم من حديثها.
وروحُ العبادةِ والقُرُبات وشرط قَبولها هو الإخلاص، فالإخلاص هو عمَلُ القلبِ الذي يحبّه الله ويرضاه، والإخلاص هو الذي يزكِّي الأعمال ويطهِّرها وينمِّيها، فيبارك الله فيها وينفَع بها، ويجزِل الله به الثوابَ، والإخلاص هو الذي كلَّف الله بالتزامِه العباد، وهو الذي ابتَلاهم الله به ليحقِّقوه فيثابوا، أو يضيِّعوه فيعَاقَبوا، قال الله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2]، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [هود:7]، وقال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الكهف:7]، قال ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى في تفسيره: "ولم يقل: أكثر عملاً بل أحسن عملاً، ولا يكون العمَلُ حسنًا حتى يكون خالصًا لله عز وجلّ على شريعةِ رسول الله ، فمتى فقَد العمل واحدًا من هذين الشّرطين حبط وبطل"ا، وقال الفضيل بن عياض رضي الله عنه في تفسير لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً: "أَخلَصُه وأصوَبُه، فإذا كان العمل خالصًا ولم يكُن صوابًا لم يُقبَل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبَل، فلا بدّ أن يكون خالصًا صوابًا".
وقد أمر الله بالإخلاص في الطاعاتِ والفرائض وفي كلِّ ما يأتي المسلم ويذَر مما أمر الله به أو نهى عنه، فقال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5]، وقال تعالى: فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:2، 3]، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمِعت رسولَ الله يقول: ((إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومن كانت هِجرتُه لدنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينكِحها فهِجرته إلى ما هاجَر إليه)) رواه البخاري ومسلم.
ومعنى الإخلاص نَقاءُ النيّة والعَمَل وتصفيَتُهما من كلِّ خَلط وشائبة تُبطِل النيّة أو تبطِل العملَ أو تقدَح في كمالِ النية أو العمَل من الإرادات الفاسدَةِ كالرياء والسُّمعة والعُجب وكالبِدَع المحدثة، فالنّيةُ الصادِقة والعمَل المخلصُ كاللّبن الخالص الذي لم يختلِط بالفرثِ والدّم المذكور في قوله الله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ [النحل:66].
والعمَلُ يكونُ بصورةٍ واحدة، ويختلِف حكمه بحسَب النية الصادقة والإخلاصِ أو نيةِ السوء والمخادَعَة فيه، فالمخلِص في عَمَله من المقرَّبين، والمخادِع المدخولُ النية من المبعَدين المعذَّبين، فهؤلاء قومٌ يصلّون مع رسول الله ويجاهِدون معه بإخلاصٍ فهم بأفضلِ المنازل رضي الله عنهم ورَضوا عنه، قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمْ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:9-11]، وقال الله عن هؤلاء الصحابةِ رضي الله عنهم: لَكِنْ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:88، 89].
وقَومٌ آخرون مِنَ المنافقين يُصلّون مع رسول الله ويجاهِدون، لكنّهم فقَدوا الإخلاصَ والإيمانَ، فهم بشَرِّ المنازل، قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [النساء:145]، فصورةُ العملِ واحدة، ولكنّ المخلِصين مقرَّبون فائزون، والمرائِين مبعَدون خاسرون.
وهذا قتيلُ معركةِ الجِهاد في سبيلِ الله وقارِئ القرآن ومنفِقُ المال في سبيل الخير، جعَلهم الله تعالى فَريقَين: فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السعير، فمن أخلَصَ لله في عمَلِه رَفعَه الله درجات، ومن عمِل قُربةً رياءً وسمعة، وضَعَه الله دَرَكات، عن أنس رضي الله عنه أنَّ أمَّ حارثة بن سُراقة أتَت رسولَ الله فقالت: يا رسولَ الله، ألا تحدِّثني عن حارثَةَ؟ ـ وكان قُتل يوم بدر ـ فإن كان في الجنّة صَبرت، وإن كان في غَير ذلك اجتهَدتُ في البكاءِ عليه، فقال: (( يا أمَّ حارثة، إنها جِنَان في الجنّة، وإنّ ابنَك أصابَ الفردوسَ الأعلى)) رواه البخاري، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبيِّ قال: ((يقال لصاحب القرآن: اقرَأ وارتَقِ ورتِّل كما كنتَ ترتِّل في الدنيا؛ فإنَّ منزلَتَك عند آخِرِ آيةٍ تقرؤها)) رواه أبو داود والترمذي وقال: "حديث حسن صحيح"، وعن أبي كبشة عمرو بن سعدٍ الأنماريّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((إنما الدّنيا لأربعة نفَر: عبدٍ رزقه الله مالاً وعلمًا، فهو يتّقي اللهَ ويصِل فيه رَحِمه ويَعلَم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رَزَقه الله علمًا ولم يرزُقه مالاً، فهو صادِق النية يقول: لو أنَّ لي مالاً لعمِلتُ بعمَل فلان، فهو نيّته فأجرهما سواء، وعبدٍ رزَقَه الله مالا ولم يرزقه عِلمًا، فهو يخبِط في ماله بغيرِ عِلم، لا يتّقي فيه ربَّه ولا يصِل فيه رحِمه ولا يعلَم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبَثِ المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا، فهو يقول: لو أنَّ لي مالاً لعمِلت فيه بعمل فلان، فهو نيّتُه فوِزرُهما سواء)) رواه الترمذي وقال: "حديث حسن صحيح".
فتدبَّر ـ أيها المسلم ـ هذه الأعمالَ الصالحة التي أريد بها وجهُ الله والدار الآخرة وكان الإخلاص روحَها ومبناها كيف صارَ صاحبُها منَ الفائزين المقرَّبين، ثم تدبَّر هذه الأعمالَ نفسَها لمّا تجرَّدت من الإخلاص وخالَطَها الرّياء كيف صار صاحبُها من المطرودِينَ الخاسرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسولَ الله يقول: ((إنّ أوّلَ الناس يُقضَى يومَ القيامة عليه رجلٌ استُشهِد، فأتِيَ به فعرَّفَه الله نعمَتَه فعَرَفها، قال: فما عمِلتَ فيها؟ قال: قاتَلتُ فيك يا ربِّ حتى استُشهِدتُ، قال: كذبتَ، ولكنّك قاتلتَ لأن يقال: جريء فقد قيل، ثم أُمِر به فسُحِب على وجهه حتى أُلقِيَ في النار، ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرَأَ القرآنَ، فأتِيَ به فعرَّفَه نعَمَه فعَرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم وعلَّمتُه، وقرأتَ فيك القرآن، قال: كذبتَ، ولكنّك تعلَّمتَ ليقال: عالم، وقرأتَ القرآنَ ليقال: قارئ فقد قيل، ثم أمِرَ به فسُحِب على وجهه في النار، ورجلٌ وسَّع الله عليه وأعطاه من أصنافِ المال، فأتِيَ به فعرّفه نِعَمَه فعَرَفها، قال: فما عمِلتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبّ أن تنفَقَ فيها إلا أنفقتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنّك فعلت ليقال: جواد فقد قيل، ثم أُمِر به فسُحِب على وجهِهِ حتى أُلقِيَ في النار)) رواه مسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، من أسعَد بشفاعتِك؟ قال: ((من قال: لا إلهَ إلا الله خالِصًا من قلبه)) رواه البخاري.
فأينَ هذا الذي يقولها عالمًا بمعناها عاملاً بمقتَضاها مخلصًا مجتهدًا ممن يقولها رياءً أو يقولها عادَةً وتقلِيدًا لا يعرفُ معناها ولا يعمَل بمقتضاها؟! ولو ذكَرنا أنواعَ الأقوال والأفعال التي تتَّفِق في الصورةِ وتختلِف في الحقيقةِ والجزاءِ بالإخلاص أو عدَمه لطال الكلام.
فكونوا ـ عبادَ الله ـ من المخلِصين؛ فإنهم في كنَفِ الله وحِفظِه ورِعايتِه وعِصمتِه، قد نجّاهم الله من مكائِدِ الشيطانِ وحَسرَة الخسران، وآواهم إلى حِزبِه المفلِحين، قال الله تعالى عن إبليس: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:39، 40]، وقال تعالى: فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص:82، 83]، وقد قرأها ابنُ كثير وأبو عمرو البصرِي وابن عامر بكسر اللام إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلِصِينَ، ومَن قَرَأها بفتح اللام وهم نافع والكوفيّون فمعناه: مَن اختارَهم الله لاتِّصافهم بالإخلاصِ. وشرَط الله تعالى لتوبَةِ التائبين تحقيقَ الإخلاص في أعمالهم فقال تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146].
وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعريّ: (من خلُصت نيّته كفاه الله ما بينه وما بين الناس)، وقال عليّ رضي الله عنه: (لا تهتمّوا لقِلّة العمل، واهتمّوا للقَبول)، وقال بعض العُبّاد: "إنَّ لله عبادًا عَقَلوا، فلمّا عَقَلوا عمِلوا، فلمّا عمِلوا أخلَصوا، فاستدعاهم الإخلاصُ إلى أبوابِ البرِّ جميعًا".
أيّها المسلمون، تمسَّكوا بهذا الركنِ العظيم، تمسَّكوا بالإخلاص، فابتَغُوا بأعمالِكم وجهَ الله والدار الآخرة، وأخلِصوا لله نيّاتكم وإراداتكم، وتقرَّبوا إلى الله بما شرَعَه الله عزّ وجلّ، وإيّاكم والبدَعَ في القُربات فكلّ بدعةٍ ضلالة.
ويُستَحَبّ للمسلم أن يفعلَ المباحَ بنيّة ثوابِ الله عليه، فإذا فعَل المباحَ بنيّة الأجرِ من الله ضاعفَ الله له الثوابَ، عن سعد بنِ أبي وقّاص رضي الله قال: قال رسول الله : ((وإنّك لن تنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أُجِرت عليها حتى ما تجعَل في في امرأتِك)) رواه البخاري ومسلم.
قال الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110].
بارك الله لي ولَكم في القرآنِ العظيم، ونَفَعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، ونفعنا بهديِ سيّد المرسلين وبقولِه القويم، أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيمَ لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

-------------------------
الخطبة الثانية
الحمد لله العزيزِ الغفورِ، العليمِ بذات الصدور، أحمد ربي سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له الحليم الشّكور، وأشهد أنّ نبيَّنا وسيّدَنا محمّدًا عبده ورسوله، أرسَلَه الله رحمةً للعالمين، اللهمّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمّد وعلى آله وصحبِه أجمعين.
أمّا بعد: فاتقوا الله ـ عبادَ الله ـ في السرِّ والعلانية؛ فإنه يعلَم ما في قلوبكم ويرى أعمالَكم.
أيّها المسلمون، اصدُقوا اللهَ في طلبِ مرضاته، واحذَروا غضَبَه ونِقمته بالبُعد عن محرَّماته، وألزِموا قلوبَكم الإخلاصَ في دينكم؛ فإنّه منهجُ نبيّكم، وبه تزكو أعمالكم وتُرفَع درجاتُكم وتستنير سرائركم، قال الله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر:11-14]، وعن جُبير بن مطعِم رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله : ((ثلاثٌ لا يغِلّ عليهنّ قلبُ امرئٍ مسلم: إخلاص العمَلِ لله، ومناصَحَة ولاةِ الأمر، ولزوم جماعةِ المسلمين)) رواه أحمد، ومعناه أن هذه الثلاثَ الخلال تصلِح القلوبَ، فمن تمسَّك بها طهُر قلبُه من الخيانة والغلِّ والشرّ والدّغَل والفُرقة والنّفاق.
عباد الله، إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، وقد قال : ((من صلّى عليَّ صلاةً واحدة صلّى الله عليه بها عشرًا)).
فصلّوا وسلِّموا على سيّد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.
اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم...












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009, 05:58 PM   المشاركة رقم: 22
المعلومات
الكاتب:
الأمين عثمان شعيب
اللقب:
خارج عن ريب الإلتفاتات
الصورة الرمزية

الصورة الرمزية الأمين عثمان شعيب

البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5
المشاركات: 380 [+]
بمعدل : 0.19 يوميا
اخر زياره : [+]
الدولة: sudan
علم الدوله :  sudan
الإتصالات
الحالة:
الأمين عثمان شعيب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
إرسال رسالة عبر Skype إلى الأمين عثمان شعيب

كاتب الموضوع : الأمين عثمان شعيب المنتدى : الشريعة
افتراضي

(22)
كلمة التقوى

الخطبة الأولى
أمّا بعد: فيا أيها المسلمون، اتّقوا الله جلّ وعلا يغفِر لكم ذنوبكم ويجِركم من عذاب أليم.
إخوة الإسلام، أجلُّ ما في الحياةِ تحقيقُ التعبُّد للهِ جلّ وعلا، ولأجل ذا فالتّوحيد أعظم مطلوبٍ وأكبر مقصود، فلا إلهَ إلا الله هي زُبدة دعوةِ الرسل وخلاصة رسالتهم، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].
"لا إله إلا الله" لها من الفضائل العظيمةِ والمزايا الكبيرة والثّمار النافعة والأجورِ الكريمةِ ما لا يمكن لأحدٍ استقصاؤه ولا لمخلوقٍ عدُّه، لها مِنَ الأجر العظيم والثّواب الكبير ما لا يخطُر ببالٍ ولا يدور في خيال، قال سفيان بن عُيينة رحمه الله: "ما أنعَمَ الله على العبادِ نعمةً أعظمَ من أن عرَّفهم لا إله إلا الله".
هي الكلِمة الطيّبة والقول الثابت والعروةُ الوثقى وكلِمة التقوى، من تمسَّك بها نجا، ومن فرَّط فيها هلَك، ففي الصحيحين أن النبيَّ قال: ((إنّ اللهَ حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغِي بذلك وجه الله)).
إخوةَ الإسلام، وهذهِ الكلمةُ العظيمة لها حقُّها وفرضُها، ولها شروطُها ولَوازِمُها، قيلَ للحسَن البصريّ رحمه الله: إنَّ ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخَل الجنة، فقال: "مَن قال: لا إله إلا الله فأدَّى حقَّها وفرضَها دخل الجنة"، وقال وهب بن منبّه رحمه الله لمن سأله عن مفتاحِ الجنّة وأنه لا إله إلا الله، فقال: "بلَى، ولكن ما مِن مفتاحٍ إلا وله أسنان، فإن أتيتَ بمفتاحٍ له أسنان فتِحَ لك، وإلاّ لم يُفتَح". حينئذٍ ففرضٌ على كلِّ مخلوق القيامُ بحقيقةِ مدلولها والتطبيق لأساسِ مقصودها من إثباتِ الوحدانية لله جل وعلا ونفيِ الشركِ عنه سبحانه وتعالى.
هذه الكلِمةُ العظيمة "لا إله إلا الله" ليسَت اسمًا لا معنَى له، أو قولاً لا حقيقةَ له، أو لفظًا لا مضمونَ له، بل لها المَعنى العظيمُ والمفهوم الجَلِيل الذي هو أجلُّ من جميع المعاني وأعظَم من جميع المباني. إنها تضمَّنت معنى أساسيًّا هو أنَّ ما سِوى الله لا يُعبَد ولا يؤلَّه، وأنّ إلَهِيّة ما سواه أبطَلُ الباطل وأظلَم الظلم ومنتهَى الضّلال.
كلمةٌ عظيمة لا تنفَع قائلها إلا حين يعرِف مدلولها نفيًا وإثباتًا، ويعتقِد ذلك ويعمَل به، من قالها وهو يعلَم علمًا جَازمًا أنه لا معبودَ حقٌّ إلا إلهٌ واحد هو الله جلّ وعلا لا شريك له. كلمةٌ تقتضي إثباتَ العبادة وإخلاصَها لله وحدَه واجتنابَ عِبادة ما سواه ونفيَ جميع أنواع العبادةِ عن كلِّ من سوى الله، على حدِّ قول الله جل وعلا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].
"لا إله إلا الله" اشتمَلَت على معنى عظيم، وهو أنّ العبدَ لا يقصد شيئًا بالتألُّه والتعبُّد والخضوعِ والتذلّل إلا للهِ الواحِد الأحَدِ، بتوحيدٍ نقيٍّ تخرُج النفس به مِن ظلمات الجهل، وترتفِع به من أوحالِ الشرك، وتتطهَّر به من دنَس الخرافات والأوهامِ. توحيدٌ خالِص يرتفع به الإنسانُ كريمًا من أن يخضَعَ لأيّ مخلوقٍ علَت مرتبته أو دنَت، يقول عزّ شأنه: وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5].
"لا إله إلا الله" معناها إفرادُ الله جلّ وعلا بالعبادة والبراءةُ الكاملة من عبادةِ كلِّ ما سواه من الشفعاءِ والأنداد، ولو كانوا ملائكةً مكرَّمين أو أنبياءَ مرسَلين، قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر:11-14].
كلمةٌ ما أجلَّها، تتضمَّن الإقبالَ على اللهِ وحدَه خُضوعًا وتذلُّلاً، طمعًا ورغبًا، إنابَة وتوكُّلاً، دعاءً وطلبًا، رجاءً وخوفًا. فأهل "لا إله إلا الله" لا يصرِفونَ شيئًا مِن العِبادة والتديُّن لغير الله، فهم لا يسأَلون إلاّ الله، ولا يدعُون إلا إيّاه، ولا يتوكَّلون إلا عليه، ولا يرجُون غيرَه، ولا يذبحونَ ولا ينذُرون إلاّ له، ولا يَرجون كشفَ ضرٍّ ولا جَلبَ نَفعٍ إلاّ منه وحدَه، قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162، 163].
أخِي المسلم، "لا إله إلا الله" من شروطها العلم بمعناها المذكورِ آنفًا، فربُّنا جلّ وعلا يقول: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ [محمد:19]، ونبيُّنا محمّد يقول فيما رواه مسلم: ((مَن ماتَ وهو يعلَم أن لا إلهَ إلا الله دخل الجنة)).
من شروطِها أن يكونَ قائلُها موقِنًا بها يقِينًا جازمًا لا شكَّ فيه ولا ريب، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، وسيِّد الخلقِ صلوات الله وسلامُه عليه يقول: ((أشهد أن لا إلهَ إلا الله وإني رسولُ الله، لا يلقَى الله بهما عبدٌ غيرَ شاكٍّ فيهما إلا دخَلَ الجنّةَ)).
مِن شروطها الإخلاصُ المنافي للشّرك والرّياءِ؛ بتصفيَةِ الأعمال والأقوال والأفعالِ وتَنقيَتها من جميعِ الشوائبِ الظاهرة والباطنَةِ، في صحيح البخاري أن سيد الخلق قال: ((أسعَد الناسِ بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه)).
من شروطِها ـ عبادَ الله ـ الصدقُ فيها باللسان والقلبِ والعمل، ففي الصحيحَين عن إمام الموحِّدين صلوات الله وسلامُه عليه أنه قال: ((ما مِن أحدٍ يشهد أن لا إلهَ إلا الله وأنّ محمّدًا عبده ورسوله صادقًا من قلبِه إلاّ حرّمه الله على النار)).
من شروطها المحبّة الكاملة لله ولرسوله والمحبّةُ لدينه وشرعِه، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165].
مِن شروطها القَبولُ الكامِل لهذه الكلمة، قبولاً تامًّا بالقلب واللسان، مع الانقياد والقيام بشرعِ الله والإذعان لحكمه والتسليمِ الكامل لذلك، وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى [لقمان:22].
فتوحيدُ الاعتقادِ يتبَعه توحيدُ العمل والاستقامَةُ في الاتّباع، فلا تقوم العقيدةُ بصفائها إلاّ حين يقارنها العملُ الصالح والإحسَان فيه، وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [النساء:125]. فصاحب "لا إله إلا الله" مَشاعِر قلبِه وخلَجَات ضميرِه مرتبِطة بربِّه، مؤتمِرةٌ بأوامره، منتهية عن نواهيه.
معاشرَ المسلمين، أمّةُ "لا إلهَ إلا الله" أمّةٌ مؤمِنةٌ باختِصاص ربها بالحكم، لا تنازع ربَّها في حكمه، مسَيطِرٌ دينُها على هواها، متغلِّب على النفوس وبواعثِها وغاياتها، الإسلامُ دستورُها ونِظامها، وهو مصدَر فخرِها وعزِّها، أمّةٌ خاضعة لربِّها، طائِعَة لخالقها، منقادَة مسلِّمَة لشريعة خالِقِها، إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ [الأنعام:57]، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].
أمّةَ الإسلام، تمرُّ بديار الإسلام أزَماتٌ حادّة وفِتَن مدلهِمّة، وتحلُّ بهم بلايا كبرَى ونكباتٌ شتى، وما يحلُّ ومَا يقَع من نكَبات ما هو إلاّ سُنَن الله في الابتلاءِ والتمحيص، فربُّنا جلّ وعلا يقول: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4]، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:141].
فأهل "لا إلهَ إلا الله محمّد رسول الله" لا تزيدُهم الابتلاءَاتُ والفِتَن إلاّ إيمانًا صادقًا باللهِ وتَصديقًا محقَّقًا برسول الله وثَباتًا على الحقّ عقيدةً وسلوكًا ونِظامَ حياة، فربُّنا جلّ وعلا يقول: فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146]، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:120].
نعم، يعلَمون أنه التّخلِّيَ عن حقوقِ "لا إله إلا الله" وأنّ الانفصالَ عن ذلكَ خسَارةٌ مَا بعدَها خَسارَة، يدرِكون أنَّ ذلك هو الهلاكُ والفَناء، يستيقِنون أنّه لا حياةَ لأمة الإسلامِ إلاّ بالإسلام، بقاؤُها مرهونٌ بالمحافَظَة عليه، وفناؤُها راجِعٌ إلى التفريطِ فيه، يدوم عِزّها بدوامِه، ويضمحلّ باضمحلاله.
أمّةَ الإسلام، إنَّ الرابطة الحقيقيّةَ التي يجتمِع عليها أهلُ الإسلام فتجمَع المتفرِّق وتؤلِّف المختلِف هي رابطةُ "لا إله إلا الله محمّد رسول الله"، فعليها يجِب أن يوالُوا، وبها يحِبُّون، وبها تصبِح مجتمعاتهم كالجسَد الواحِد وكالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضًا.
إنها رَابِطةُ العقيدةِ التي تَضمَحِلّ معها كلُّ وشيجَةٍ، وتتهاوى دونها كلُّ صِلَة، بها تتوحَّد الصفوف وتتألَّف القلوب، تجمَع القلوبَ المتنافِرَة، وتؤلِّف بين الشعوبِ المتناثِرَة. رابِطةٌ تتضاءَل أمامَها الشِّعارَاتُ القَبليّة والدعواتُ العنصريّة والانتماءات الحِزبيّة. رابِطةٌ مُقتضاها أن تحبَّ لأهلِ الإيمان ما تحِبّ لنفسك من الخَير على حدِّ قوله : ((لا يؤمِن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبّ لنفسه)) رواه البخاري، وفي لفظ: ((حتى يحبَّ لأخيه المسلم من الخير ما يحبّ لنفسه)) ، قال ابنُ حجَر رحمه الله: "الخيرُ كلِمة جامعة تعمُّ الطاعاتِ والمباحاتِ الدنيويّة والأخروية". ومِن ذلك ـ عبادَ الله ـ أن يبغِض المسلم لأخيهِ ما يبغِض لنفسه من الشرّ، يتألَّم لألمه، ويحزن لحزنه، قال : ((المسلِم من سلِم المسلمون من لسانِه ويدِه)) رواه البخاري.
إخوةَ الإسلام، للآدابِ والأخلاق صِلةٌ وثيقَة بعقيدةِ الأمّة ومبادِئِها، بل هي التّجسيدُ العَمَليّ لقِيَمها ومُثُلها، فأهل "لا إلهَ إلا الله" ذوو قِيَم عاليةٍ وأخلاقٍ نبيلة، لهم محاسِنُ لا تُجارَى وفضائِلُ لا تُبارَى، ذوو رحمةٍ وإحسان ورِفقٍ بالمخلوقِين، ذوو عَطفٍ وجودٍ وكَرَم وسَخاءٍ بجميعِ المسلمين، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195]، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83]. والرحيم المشفِق سيِّد الخَلق يقول : ((مَثَل المؤمنين في توادِّهم وتعاطُفِهم وتراحمِهم كمَثَل الجسدِ الواحِد، إذا اشتَكى منه عضوٌ تداعى له سائِر الجسَد بالسَّهر والحمّى)).
أهل "لا إلهَ إلا الله" أهلُ عدلٍ وإنصافٍ وإصلاح، ولذا فكلُّ تصرّفٍ خَرَج عن العدلِ إلى الجَور وعن الرحمةِ إلى القَسوة وعن المصلحة إلى المفسدةِ وعن الحِكمة إلى العبث فليس من الإسلامِ في شيء، كما نصَّ على ذلك العلاّمة ابن القيم رحمه الله، وربّنا جلّ وعلا يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].
أقول هذا القولَ، وأستغفِر الله لي ولَكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
-------------------------
الخطبة الثانية
الحمدُ لله على إحسانِه، والشّكر له على توفيقه وامتنانِه، وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له تعظيمًا لشأنِه، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبده ورسولُه الداعِي إلى رضوانِه، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابِهِ وإخوانه.
أمّا بعد: فيا أيها المسلمون، أوصيكم ونفسِي بتقوى الله عزّ وجلّ، فهي وصيّة الله للأوّلين والآخرين.
إخوةَ الإسلام، مِن عقائدِ أهلِ السنة والجماعة تسميَتُهم أهلَ القِبلة مسلمِين مؤمنين ما دامُوا بما جاءَ بِهِ النبيّ معتَرفِين، وله بكلِّ ما قال وأخبر مصدِّقين، قال : ((من صلَّى صلاتَنا واستقبَلَ قِبلتَنا وأكل ذبيحَتَنا فذلك المسلِم، له ذِمّة الله وذمّة رسوله، فلا تخفروا اللهَ في ذمّته)) أخرجه البخاري.
ومِن عقائدِ أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفِّرون أحدًا من أهلِ القبلة يقول: "لا إله إلا الله" إذا أتى بذنب ما لم يستحلَّه، فمِن الإفكِ العظيمِ والبهتانِ المبينِ إطلاقُ التّكفير لأهل "لا إله إلا الله"، بدون برهانٍ من القرآنِ الكريمِ ولا منَ السنةِ المطهّرة وإجماع المسلمين المعتَبَر، فرسولنا يحذِّر من ذلكَ بقولِهِ: ((إذا قالَ الرّجل لأخيه: "يا كافر" فقد باء بها أحدُهم، إن كانَ كمَا قالَ وإلاّ رجَعت عليه)) متفق عليه.
ولأهل العلم في بيانِ قوله : ((وإلاّ رجعت عليه)) أقوال، أشهرها أنَّ ذلك محمولٌ على من استحلَّ التكفيرَ فيبوء حينئذٍ بالكفرِ، وقيل: المعنى: رجعَت عليه نقيصتُه لأخيهِ ومَعصيَةُ تكفيرِه إيّاه، وقيل: إنّ ذلك يؤول به أي: إنّ تكفيرَه لأخيه المسلم يبوء به إلى الكُفر؛ لأنّ المعاصي بريد الكفر، وقيل: معناه: فقد رجع عليه تكفيره؛ لكونه جعل أخاه المؤمنَ كافرًا، فكأنه كفرّ نفسه، إمّا لأنّه كفَّر من هو مثلُه، وإمّا لأنّه كفّر من لا يكفِّره إلاّ كافِرٌ يعتقِد بطلانَ دينِ الإسلام.
فاجتنِبوا التكفيرَ لأهل الإسلام ولأهل "لا إلهَ إلا الله"، ولا يخوض في ذلكَ إلاّ عالم ربّانيّ متمرِّسٌ على كتابِ الله جل وعلا وسنّةِ رسوله وعلى درايةٍ بإجماع المسلمين.
إخوةَ الإسلام، "لا إله إلا الله" كلمَةٌ عظيمَة تعصِم قائلَها من أن يُسفَك دَمه أو يُهدَر ماله أو يُهتَكَ عِرضُه، قال : ((لا يحِلّ دمُ امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدَى ثلاث: الثيِّب الزاني، والنّفس بالنفس، والتارِك لدينه المفارق للجماعة)) أخرجه الشيخان، وعن أسامةَ بن زيد رضي الله عنه قال: بعَثَنا رسول الله إلى الحُرَقَة من جُهينة، فصبَّحنا القومَ فهزمناهم، ولحِقتُ أنا ورجلٌ من الأنصارِ رَجلاً مِنهم، فلمّا غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكفَّ عنه الأنصاريّ وطعنته برُمحي حتى قتلتُه، فلما قدِمنا بلَغ ذلك رسولَ الله فقال لي: ((يا أسامة، أقتلته بعدَما قال: لا إله إلا الله؟!)) قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنما قالها خَوفًا من السلاحِ، قال: ((أفَلا شققتَ عن قلبِه حتى تعلمَ ذلك))، فما زال يكرِّرها عليَّ.. الحديث أخرجه مسلم، وفي لفظٍ آخَر أنَّ رسولَ الله قال: ((فكَيف تصنَعُ بلا إلهَ إلا الله إذا جاءَت يوم القيامة؟!))؛ ولهذا قال محذِّرًا من حملِ السلاح على أهل "لا إله إلا الله": ((من حمَل علينا السلاحَ فليس منّا)) ، وفي لفظٍ: ((مَن سلَّ علينا السلاحَ علينا فليسَ منا)) رواه مسلم.
فاتَّقوا الله عباد الله، والتزِموا بحقائقِ "لا إله إلا الله"، وعظِّموا فروضَها، والتزموا بشروطها؛ تسلَموا وتفوزا وتغنَموا دنيًا وأُخرى.
ثم إنَّ اللهَ جلّ وعلا أمرَنا بأمرٍ عظيم تزكو به نفوسنا وتصلح به دنيانا وأخرانا، ألا وهو الصلاة والسّلام على النبيّ الكريم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك وأنعِم على سيّدنا ورسولنا محمّد، وارضَ اللّهمّ عن الخلفاء الراشدين...












توقيع : الأمين عثمان شعيب

صلِّ يا مولاي ما نــاح *** الحمام ما عَصَفَتْ رِياح
للرَّسول وأصحابُ الصحاح *** الأمين من همُّو يرتاح

[
flash1=http://www.humandot.net/diwan/amin.swf]WIDTH=307 HEIGHT=234[/flash1]

عرض البوم صور الأمين عثمان شعيب   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:31 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by kootta.com
الملك لله الواحد القهار - هذه الصفحات لله